- عَن ‌هَمَّامِ بْنِ الحارث: أنَّ رَجُلًا جَعَلَ يَمْدَحُ عُثْمَانَ، فَعَمِدَ المِقْدَادُ فَجَثَا علَى رُكْبَتَيْهِ، وَكانَ رَجُلًا ضَخْمًا، فَجَعَلَ يَحْثُو في وَجْهِهِ الحَصْبَاءَ ، فَقالَ له عُثْمَانُ: ما شَأْنُكَ؟ فَقالَ: إنَّ رَسولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ قالَ: إذَا رَأَيْتُمُ المَدَّاحِينَ، فَاحْثُوا في وُجُوهِهِمِ التُّرَابَ .

الدلالات الموضوعية:# آداب الكلام - ما يجتنب من الكلام# أمر بالمعروف ونهي عن المنكر - الأمر بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر# آداب الكلام - ما جاء في المدح والمداحين
المصدر: صحيح مسلم
الراوي: المقداد بن الأسود.
المحدث: مسلم
الحكم:[صحيح]

بيانات التخريج:

أخرجه أبو داود (4804)، وأحمد (23827)، والطيالسي (1254) بنحوه.

الشرح والتوضيح

نُفوسُ بعضِ النَّاسِ ميَّالةٌ إلى الزَّهوِ والعُجبِ إذا وُصِفت بالصِّفاتِ المحمودةِ، وخاصَّةً الأُمَراءَ والحُكَّامَ؛ فإنَّ المَدحَ يَستهوِيهم ويُعطون عليه العَطايا والأموالَ، ورُبَّما أغْراهم المدحُ بفِعلِ أُمورٍ كَثيرةٍ مِنَ المَعايِبِ والتَّكبُّرِ والغرورِ؛ تصوُّرًا منهم أنَّهم يَستحِقُّون أكثرَ مِمَّا هُم فيه وأفضَلَ، وهذا فيه ضَررٌ بمَصالحِ العِبادِ وإفسادٌ لنُفوسِ الحُكَّامِ.

وفي هَذا الحديثِ يَرْوي التَّابعيُّ هَمَّامُ بنُ الحارثُ النَّخَعيُّ الكوفيُّ: أنَّ رَجلًا كانَ يَمدَحُ عُثمانَ بنَ عفَّانَ رَضيَ اللهُ عنه، ولعلَّ ذلك كان وقْتَ خِلافتِه، «فجَثا»، أي: نزَلَ المِقدادُ بنُ عَمرٍو رَضيَ اللهُ عنه على رُكبتَيْه فوْرَ سَماعِه مَدْحَ الرَّجلِ، وكان المقدادُ رَضيَ اللهُ عنه عَظيمَ الجِسمِ، وكأنَّ الرَّاويَ نَبَّه على هذا لبَيانِ أنَّه مع كَونِه جَسِيمًا تَكبَّدَ مَشقَّةَ الجُثوِّ على رُكبتَيْه اهتمامًا بشَأنِ تَنفيذِ أمرِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فجَعَلَ المِقدادُ يَغرِفُ بيَديْه الحَصى الصَّغيرةَ فيَجعَلُها في وَجهِ المادحِ، فسَأله عُثمانُ رَضيَ اللهُ عنه عن فِعلِه هذا، فاستَدَلَّ المِقدادُ بِقولِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: «إِذا رَأيتُم المدَّاحينَ، فَاحثُوا في وُجوهِهِم التُّرابَ»، وَالمدَّاحونَ هُمُ الَّذين اتَّخَذوا مَدْحَ النَّاسِ عادةً، أو مَن مَدَحَ بباطِلٍ أَو ما يُؤدِّي إلى باطلٍ.

فحمَلَ المِقدادُ الحديثَ على ظاهِرِه وَوافقَه طائِفَةٌ، وكانوا يَحثُونَ التُّرابَ في وَجهِه حَقيقةً، وَقال آخَرونَ: مَعناه: خيِّبوهُم فَلا تُعطوهُم شيئًا لِمَدْحِهم؛ لأنَّ في مَدحِهم تَزكيةً لنَفْسٍ مُسْلمةٍ، واللهُ تَعالَى يقولُ: {فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى} [النجم: 32] ، وهذا المدْحُ المَنهيُّ عنه هو المدْحُ المذمومُ الَّذي لا يكونُ في صاحبِه، أو يَحصُلُ به تَضرُّرُ الممدوحِ، أمَّا المدْحُ الَّذي يَحصُلُ به الفائدةُ والمصلحةُ فلا بأْسَ به، ومنه قولُه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: «مَن كان مِنكم مادِحًا أخاهُ لا مَحالةَ، فلْيَقُلْ: أحْسِبُ فُلانًا، واللهُ حَسِيبُه، ولا أُزَكِّي على اللهِ أحدًا، أحْسِبُه كذا وكذا، إنْ كان يَعلَمُ ذلكَ منه» مُتَّفقٌ عليه.

وفي الحديثِ: بَيانُ اهتمامِ الصَّحابةِ بتَطبيقِ ما فَهِموه مِن السُّنَّةِ النَّبويَّةِ.

وفيه: الزَّجرُ عن المدحِ المؤدِّي إلى إفسادِ النُّفوسِ.

الأصول والأحكام

صحيح مسلم (4/ 2297) 69 - (3002) وحدثنا محمد بن المثنى، ومحمد بن بشار - واللفظ لابن المثنى - قالا: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن منصور، عن إبراهيم، عن همام بن الحارث، أن رجلا جعل يمدح عثمان، فعمد المقداد فجثا على ركبتيه، وكان رجلا ضخما، فجعل يحثو في وجهه الحصباء، فقال له عثمان: ما شأنك؟ فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إذا رأيتم المداحين، فاحثوا في وجوههم التراب

سنن أبي داود (4/ 254) 4804 - حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا وكيع، حدثنا سفيان، عن منصور، عن إبراهيم، عن همام، قال: جاء رجل فأثنى على عثمان في وجهه، فأخذ المقداد بن الأسود ترابا فحثا في وجهه، وقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا لقيتم المداحين فاحثوا في وجوههم التراب

مسند أحمد (39/ 249) 23827 - حدثنا وكيع، وعبد الرحمن، قالا: حدثنا سفيان، عن منصور، عن إبراهيم، عن همام بن الحارث، قال: جاء رجل إلى عثمان فأثنى عليه في وجهه قال: فجعل المقداد بن الأسود يحثو في وجهه التراب ويقول: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا لقينا المداحين أن نحثو في وجوههم التراب

مسند أبي داود الطيالسي (2/ 475) 1254 - حدثنا يونس، حدثنا أبو داود قال: حدثنا ورقاء، عن منصور، عن إبراهيم، عن همام بن الحارث، قال: كنا جلوسا في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاء قوم يثنون على عثمان ويمدحونه والمقداد في ناحية المسجد فلما سمعهم يمدحونه قام فتناول الحصى فجعل يحثو في وجوههم فقال عثمان: ما هذا؟ فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إذا رأيتم المداحين فاحثوا في وجوههم أو قال: في أفواههم التراب أو قال: الحصى

أحاديث ذات صلة