قال رجلٌ يا رسولَ اللهِ هل للإسلامِ مِنْ منتَهَى قال نَعَمْ أَيُّما أهلِ بيْتٍ مِنَ العَرَبِ أَوِ العجَمِ أَرَادَ اللهُ بهم خيْرًا أدْخَلَ علَيْهِم الإسلامَ ثم تَقَعُ الفِتَنُ كأنَّها الظُّلَلُ قال كَلَّا واللهِ إِنْ شاءَ اللهُ قال بَلَى والَّذِي نَفْسِي بيدِهِ ثم تعودونَ فيها أساوِدُ صبًّا يضربُ بعضُكُمْ رقابَ بعضٍ قال سفيانُ الحيَّةُ السوداءُ تنصِبُ أيْ تَرْتَفِعُ وفي روايةٍ فأوَّلُ الناسِ مؤمِنٌ مُعْتَزِلٌ في شِعْبٍ مِنَ الشعابِ يَتَّقِي رَبَّهُ تبارَكَ وتعَالى وَيَدَعُ الناسَ مِنْ شَرِّهِ

الدلالات الموضوعية:# فضائل النبي وصفته ودلائل النبوة - إخبار النبي عن المغيبات# فتن - ظهور الفتن# رقائق وزهد - العزلة# أيمان - كيف كانت يمين رسول الله صلى الله عليه وسلم# أشراط الساعة - قتال المسلمين بين بعضهم بعضا
المصدر: مجمع الزوائد
الراوي: كرز بن علقمة الخزاعي
المحدث: الهيثمي
الحكم:[روي] بأسانيد وأحدها رجاله رجال الصحيح‏‏

بيانات التخريج:

أخرجه أحمد (15917)، والطيالسي في ((المسند)) (1386)، وابن حبان (5956) باختلاف يسير.

الشرح والتوضيح

كان النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يُجِيبُ النَّاسَ عمَّا أشكَلَ عليهم مِن الأُمورِ، ويُوضِّحُ لهم بجَلاءٍ ما غَمُض مِن الأحْداثِ الجاريةِ في مُستَقبَلِ الزَّمانِ.

وفي هذا الحَديثِ يَرْوي كُرْزُ بنُ عَلْقَمةَ الخُزاعيُّ رَضيَ اللهُ عنه أنَّ رَجلًا جاء إلى رَسولِ اللهِ وسأَلَه: «هلْ للإسْلامِ من مُنتَهًى؟» أي: يَنتَهي فيها، ويَعودُ النَّاسُ إلى ما كانوا عليه قبْلَ الإسْلامِ، فقال له النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: «نَعم، أيُّما أهلِ بَيتٍ مِن العرَبِ أوِ العَجمِ أرادَ اللهُ بهم خَيرًا، أدخَلَ عليهمُ الإسْلامَ»؛ لأنَّ الإسْلامَ خَيرٌ للنَّاسِ في الدُّنْيا والآخِرةِ، فمَن أنعَمَ اللهُ عليه بالدُّخولِ في الإسْلامِ؛ فقدْ حَظيَ بفَضلٍ عَظيمٍ مِن اللهِ سُبحانه يَستحِقُّ الشُّكرَ عليها، ثمَّ في آخِرِ الزَّمانِ تقَعُ الفِتَنُ الكَثيفةُ الَّتي تُظلِّلُ المُسلِمينَ كأنَّها السَّحابُ، فقال الرَّجلُ: «كلَّا واللهِ، إنْ شاء اللهُ»، فكأنَّ الرَّجلَ استَبعَدَ أنْ يَعودَ النَّاسُ في الكُفرِ بعْدَ الإسْلامِ، فأكَّد له النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنَّ ذلك سيَقَعُ فقال: «بَلى، والَّذي نَفْسي بيَدِه»، فأقسَمَ وزادَ الأمرَ تأكيدًا؛ بلْ وأخبَرَ بأشنَعَ مِن ذلك؛ بأنَّ النَّاسَ سَوْف يَعودونَ فيُصبِحونَ في الفِتَنِ «أساوِدَ صُبًّا»؛ أي: حيَّاتٍ قاتِلةً، والأساوِدُ جَمعُ أسْودَ، وهو أخبَثُ الحيَّاتِ، وأعظَمُها، والصُّبُّ جَمعُ صَبُوبٍ، وذلك أنَّ الأسْودَ إذا أرادَ أنْ يَنهَشَ ارتفَعَ، ثمَّ انصَبَّ على المَلْدوغِ، والمُرادُ أنَّكم ستَصيرونَ جَماعاتٍ وفِرَقًا مُختلِفةً، «يَضرِبُ بعضُكم رِقابَ بعضٍ»؛ أي: تَتَقاتَلونَ، يَفتِكُ بعضُكم ببَعضٍ كفَتكِ الوُحوشِ والضَّواري بفَريستِها، بدونِ رَحمةٍ ولا شَفَقةٍ؛ وذلك لضَعفِ الإيمانِ.

وفي رِوايةٍ: «فأوَّلُ النَّاسِ مُؤمنٌ مُعتَزِلٌ في شِعبٍ مِن الشِّعابِ، يَتَّقي ربَّه تبارَكَ وتعالَى، ويَدَعُ النَّاسَ مِن شرِّهِ»، والمَعْنى: أنَّ أفضَلَ الرِّجالِ في هذه الفِتْنةِ هو رَجلٌ مُعتزِلٌ للنَّاسِ، في مَكانٍ ناءٍ بَعيدٍ ليْس فيه بشَرٌ، يَتَّقي ربَّه تبارَكَ وتعالَى فيُقيمُ الصَّلاةَ، ويُؤْتي الزَّكاةَ، ويُؤدِّي فَرائضَ اللهِ، وهذا يدُلُّ على أنَّ عُزلَتَه للتَّعبُّدِ، وإقامةِ فَرائضِ اللهِ، ويَعتزِلَ شُرورَ النَّاسِ، ومَفاسِدَهمُ الَّتي تَحدُثُ فيهم، ويُجنِّبَ النَّاسَ شرَّه الَّذي قدْ يَصدُرُ منه.

أحاديث ذات صلة