- تنفَّلَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ سَيفَه ذا الفَقارِ يَومَ بَدرٍ.
قال ابنُ عبَّاسٍ رضِيَ اللهُ عنهما: وهو الذي رأَى فيه الرُّؤْيا يَومَ أُحُدٍ، وذلكَ أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ لمَّا جاءَه المشركونَ يَومَ أُحُدٍ كانَ رأىُ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنْ يُقيمَ بالمدينةِ، فيُقاتلَهم فيها، فقالَ له ناسٌ لم يكونوا شهِدوا بدرًا: تخرُجُ بنا يا رسولَ اللهِ إليهم، نُقاتِلُهم بأُحُدٍ، ورجَوْا أنْ يُصيبوا مِن الفَضيلةِ ما أصابَ أهلُ بَدرٍ، فما زالوا به حتى لبِسَ أداتَه، ثمَّ ندِموا، وقالوا: يا رسولَ اللهِ، أقِمْ، فالرأيُ رأيُكَ، فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: ما يَنْبغي لنبيٍّ أنْ يضَعَ أداتَه بعدَ أنْ لبِسَها، حتى يحكُمَ اللهُ بينَه وبينَ عدُوِّه.
وكان ذكَرَ لهم قبلَ أنْ يلبِسَ الأداةَ: إنِّي رأَيتُ أنِّي في دِرعٍ حَصينةٍ، فأوَّلتُها المدينةَ، وأنِّي مردِفٌ كَبشًا، فأوَّلتُه كَبشَ الكَتيبةِ ، ورأَيتُ أنَّ سَيْفي ذا الفَقارِ فَلَّ، فأوَّلتُه فَلًّا فيكم، ورأَيتُ بَقرًا تُذبَحُ، فبَقرٌ واللهِ خَيرٌ، فبَقرٌ واللهِ خَيرٌ.
أخرجه الترمذي بعد حديث (1561)، وابن ماجه (2808) مختصراً، وأحمد (2445) بنحوه، والبيهقي (13662) واللفظ له.
كانتْ غَزوةُ أُحُدٍ في السَّنةِ الثَّالثةِ مِن الهِجرةِ، وقدْ كان فيها دُروسٌ لا تُنسَى لجَميعِ المُسلِمينَ، وتَعلَّموا فيها أنَّ أوامِرَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَجِبُ ألَّا تُخالَفَ، وقدِ استُشهِدَ في هذه الغَزْوةِ سَبْعونَ شَهيدًا مِن خِيرةِ المُسلِمينَ.
وفي هذا الحَديثِ يُخبِرُ عبدُ اللهِ بنُ عبَّاسٍ رضِيَ اللهُ عنهما أنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أخَذَ مِنَ الأَنْفالِ الَّتي تكونُ مِن غَنائمِ المشرِكينَ زِيادةً لنفْسِه واصطِفاءً واختِيارًا منها: «سيْفَه ذا الفَقارِ»، وسُمِّي بذلكَ؛ لأنَّ السَّيفَ كانتْ به خَرَزاتٌ في ظَهْرِه مِثلُ الفِقْراتِ، وهذا السَّيفُ كان للعاصِ بنِ مُنَبِّهٍ، وكان ذلكَ في غَزْوةِ بَدْرٍ الَّتي كانتْ في رَمضانَ مِنَ السَّنةِ الثَّانيةِ مِنَ الهِجْرةِ، وفي هذه الغَزْوةِ نصَرَ اللهُ فيها رَسولَه صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم والصَّحابةَ على قُرَيشٍ.
وإنَّ هذا السَّيفَ كان للنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ معَه رُؤْيا في مَنامِه يَومَ أُحُدٍ.
وأُحُدٌ: جبَلٌ مَشهُورٌ بالمَدينةِ في شِمالِيِّها الغرْبيِّ، بيْنَه وبيْنَ المدينةِ ثَلاثةُ أمْيالٍ.
ثُمَّ أخبَرَ ابنُ عبَّاسٍ رضِيَ اللهُ عنهما أنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ لَمَّا جاءَهُ مُشرِكو قُرَيشٍ يَومَ أُحُدٍ يَغْزونَه، ويَنتقِمونَ ليَومِ بَدْرٍ، كان رأْيُ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنْ يَبْقَى بالمَدينةِ، فيُقاتِلَهم فيها، وكان رأْيُهُ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ على وَجْهِ الشُّورَى لأصْحابِه رضِيَ اللهُ عنهم، فكان رأْيُ بعْضِ النَّاسِ الَّذينَ لم يَسْبِقْ لهم شُهودُ غَزْوةِ بدْرٍ-وخاصَّةً الشَّبابَ- أنْ يَخرُجَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بالجَيشِ، فيُقاتِلَهم عندَ جبَلِ أُحُدٍ؛ طامِعِينَ أنْ يُصيبوا مِنَ الفَضيلةِ والأجْرِ ما أصابَ أهْلُ بَدْرٍ، وهُمُ الَّذينَ حارَبوا قُرَيشًا حِينئذٍ، ومِن أعظَمِ الثَّوابِ والأجْرِ الَّذي نال أصْحابُ بدْرٍ أنَّ اللهُ قدْ غفَرَ لهم؛ ففي الصَّحيحينِ مِن حَديثِ علِيِّ بنِ أبي طالبٍ رضِيَ اللهُ عنه أنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قال: «لعلَّ اللهَ أنْ يكونَ قدِ اطَّلَعَ على أهْلِ بَدْرٍ فقالَ: اعْمَلوا ما شِئتُم؛ فقَدْ غفَرتُ لَكُم».
وظَلَّ أصْحابُ المَشورةِ يُرغِّبونَ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في الخروجِ إلى أُحُدٍ، حتَّى «لبِسَ أداتَهُ» وهي عُدَّةَ الحَرْبِ؛ مِنَ الدِّرْعِ والسِّلاحِ ونَحوِهما، ولكنَّهم بعْدَ ذلكَ ظَنُّوا أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ إنَّما تَحرَّكَ على هذا النَّحْوِ تَحرُّجًا منهم، فنَدِموا، وقالوا للنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: «يا رَسولَ اللهِ، أقِمْ؛ فالرَّأْيُ رأْيُكَ»؛ أيِ: ابْقَ في المَدينةِ، وقاتِلْ فيها، ولا تَخرُجْ منها، على النَّحْوِ الَّذي كُنتَ تُريدُ.
فقال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: «ما يَنْبغي لنَبيٍّ أنْ يَضَعَ أداتَهُ بعْدَ أنْ لبِسَها، حتَّى يَحكُمَ اللهُ بيْنَه وبيْنَ عدُوِّه»؛ أي: ليس يَنبغي له إذا عزَمَ أنْ يَنصرِفَ؛ لأنَّه نقْضٌ للتَّوكُّلِ الَّذي شرَطَ اللهُ معَ العَزيمةِ، فلُبْسُه لعُدَّةِ الحرْبِ دالٌّ على العزيمةِ.
ثُمَّ أخبَرَ ابنُ عبَّاسٍ رضِيَ اللهُ عنهما أنَّ مِمَّا قالَهُ لَهم رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يَومئذٍ قبْلَ أنْ يَلبَسَ عُدَّةَ الحرْبِ: «إنِّي رأَيتُ» في المنامِ، ورُؤْيا الأنبياءِ صِدْقٌ وحَقٌّ كلُّها، «أنِّي في دِرْعٍ حَصينةٍ»؛ أي: أنَّ عُدَّةَ الحرْبِ الَّتي كان يَلْبَسُها قَويَّةٌ ومَنِيعةٌ؛ ففسَّرَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ الدِّرْعَبالمَدينةِ، «وأنِّي مُردِفٌ كَبْشًا»؛ وهو ذكَرُ الغنَمِ، يَسحَبُه النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ مِن ورائِه؛ ففسَّرَه النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بالكَتيبةِ والجَيشِ الَّذي خرَجَ للقتالِ، «ورأَيتُ أنَّ سَيْفي ذا الفَقارِ فُلَّ»؛ أي: كُسِر، ففسَّره النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنَّه للمُنهزِمِينَ مِنَ الجَيشِ، «ورأَيتُ بقَرًا تُذبَحُ»، وقدْ فسَّرَ البقَرَ في الرِّواياتِبأنَّه قَتْلُ الصَّحابةِ يَومَ أُحُدٍ.
وقَولُه: «فبَقَرٌ واللهِ خَيرٌ»؛ قيلَ: إنَّه سَمِعَ هذه الجُملةَ في الرُّؤْيا، وفسَّرَها النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بقَولِه -كما في الصَّحيحَينِ مِن حَديثِ أبي مُوسى الأشعريِّ:«وإذا الخَيرُ ما جاءَ اللهُ به مِن الخَيرِ بَعدُ، وثوابُ الصِّدقِ الَّذي آتانا بعْدَ يَومِ بدْرٍ» والمرادُ: بما بعْدَ بدْرٍ فتْحُ خَيْبرَ ثُمَّ مَكَّةَ، ويَحتمِلُ أنْ يُرادَ بالخَيرِالغَنيمةُ.
وقيلَ: هي مِن قَولِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ؛ والمعنى: ما صنَعَ اللهُ تَعالَى بشُهَداءِ أُحُدٍ هو خَيرٌ لهم مِن بَقائِهم في الدُّنْيا.
سنن الترمذي (4/ 130) :
حدثنا هناد قال: حدثنا ابن أبي الزناد، عن أبيه، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس ، أن النبي صلى الله عليه وسلم تنفل سيفه ذا الفقار يوم بدر، وهو الذي رأى فيه الرؤيا يوم أحد: هذا حديث حسن غريب، إنما نعرفه من هذا الوجه من حديث ابن أبي الزناد وقد اختلف أهل العلم في النفل من الخمس فقال مالك بن أنس: لم يبلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نفل في مغازيه كلها، وقد بلغني أنه نفل في بعضها، وإنما ذلك على وجه الاجتهاد من الإمام في أول المغنم وآخره قال ابن منصور: قلت لأحمد: إن النبي صلى الله عليه وسلم نفل إذا فصل بالربع بعد الخمس، وإذا قفل بالثلث بعد الخمس، فقال: يخرج الخمس ثم ينفل مما بقي ولا يجاوز هذا: وهذا الحديث على ما قال ابن المسيب النفل من الخمس، قال إسحاق كما قال.
[سنن ابن ماجه] (2/ 939 ) :
2808 - حدثنا أبو كريب قال: حدثنا ابن الصلت، عن ابن أبي الزناد، عن أبيه، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تنفل سيفه ذا الفقار يوم بدر.
[مسند أحمد] (4/ 259 ط الرسالة) :
2445 - حدثنا سريج، حدثنا ابن أبي الزناد، عن أبيه، عن الأعمى عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن ابن عباس ، قال: تنفل رسول الله صلى الله عليه وسلم سيفه ذا الفقار يوم بدر، وهو الذي رأى فيه الرؤيا يوم أحد، فقال: " رأيت في سيفي ذي الفقار فلا، فأولته: فلا يكون فيكم، ورأيت أني مردف كبشا، فأولته: كبش الكتيبة، ورأيت أني في درع حصينة، فأولتها: المدينة، ورأيت بقرا تذبح، فبقر والله خير، فبقر والله خير " فكان الذي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم.
السنن الكبرى للبيهقي - دائرة المعارف (7/ 41) 13662- وقد كتبناه موصولا بإسناد حسن أخبرنا أبو عبد الله الحافظ حدثنا أبو العباس : محمد بن يعقوب حدثنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم حدثنا عبد الله بن وهب أخبرنى ابن أبى الزناد عن أبيه عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن ابن عباس رضى الله عنهما قال : تنفل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- سيفه ذو الفقار يوم بدر قال ابن عباس رضى الله عنهما وهو الذى رأى فيه الرؤيا يوم أحد وذلك : أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لما جاءه المشركون يوم أحد كان رأيه أن يقيم بالمدينة فيقاتلهم فيها فقال له ناس لم يكونوا شهدوا بدرا : تخرج بنا يا رسول الله إليهم نقاتلهم بأحد ورجوا أن يصيبوا من الفضيلة ما أصاب أهل بدر فما زالوا به حتى لبس أداته ثم ندموا وقالوا : يا رسول الله أقم فالرأى رأيك فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : ما ينبغى لنبى أن يضع أداته بعد أن لبسها حتى يحكم الله بينه وبين عدوه .
قال : وكان مما قال لهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يومئذ قبل أن يلبس الأداة : إنى رأيت أنى في درع حصينة فأولتها المدينة وأنى مردف كبشا فأولته كبش الكتيبة ، ورأيت أن سيفى ذا الفقار فل فأولته فلا فيكم ورأيت بقرا تذبح فبقر والله خير فبقر والله خير .