كنتُ قاعدًا مع عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ رضيَ اللهُ عنهُ ، فقال : إني لَأذكرُ أولَ رجلٍ قطعه رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، أُتِيَ بسارقٍ فأمر بقطعِه ، فكأنما أسِفَ وجهُ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، فقالوا : يا رسولَ اللهِ كأنك كرهتَ قطعَه ؟ قال : وما يمنعُني ؟ ! لا تكونوا أعوانًا للشيطان على أخيكم إنه لا ينبغي للإمامِ إذا انتهى إليه حدٌّ إلا أن يقيمَه إنَّ اللهَ عفُوٌّ يحبُّ العفْوَ { وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ }

الدلالات الموضوعية:# حدود - الحث على إقامة الحدود# حدود - حد السرقة ونصابها# تفسير آيات - سورة النور# حدود - درء الحدود# حدود - ينبغي للإمام إذا انتهى إليه حد أن يقيمه
المصدر: السلسلة الصحيحة
الراوي: عبدالله بن مسعود
المحدث: الألباني
الحكم:حسن

بيانات التخريج:

أخرجه الحاكم (8155) واللفظ له، وأخرجه أحمد (4168)، والبيهقي (18067) باختلاف يسير

الشرح والتوضيح

لقدْ حذَّرَ الشَّرعُ المُطهَّرُ مِن تَقْنيطِ النَّاسِ مِن رَحْمةِ اللهِ تبارَك وتعالَى، وتَيْئيسِهم مِن التَّوبةِ، وازْدِراءِ المُذْنِبينَ ونَبْذِهم، والاعْتِداءِ عليهِم بالشَّتْمِ والأذِيَّةِ، بلْ يَنْبَغي احْتِواؤُهم وإرْشادُهم؛ لإبْعادِهِم عن طَريقِ الشَّيطانِ.

وفي هذا الحَديثِ يُخبِرُ التَّابِعيُّ أبو ماجدٍ الحَنَفيُّ أنَّه كان قاعِدًا معَ عبدِ اللهِ بنِ مَسعودٍ رَضيَ اللهُ عنه حينَ أخبَرَ أنَّه يتَذكَّرُ أوَّلَ رجُلٍ قطَعَه رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، وأقامَ عليه حدَّ السَّرِقةِ، فقَطَع يَدَه؛ وذلك أنَّه أُتيَ بسارقٍ، وأُقيمَت عليه الحُجَّةُ؛ إمَّا بإقْرارِه، أو شَهادةِ عَدْلَينِ أنَّه سرَقَ، فأمَر بقَطْعِ يدِه، وحَزِن رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، وظهَر هذا الحُزنُ على وَجْهِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فقال الصَّحابةُ رَضيَ اللهُ عنهم: «يا رسولَ اللهِ، كأنَّكَ كرِهْتَ قَطْعَه؟» والمُرادُ أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ظَهَر عليه مِن عَلاماتِ عَدمِ الرِّضا في إقامةِ الحدِّ بقَطْعِ يَدِ الرَّجلِ السَّارِقِ، وليس هذا اعتِراضًا على الحدِّ الَّذي شَرَعه اللهُ عزَّ وجلَّ، فبيَّن لهمُ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وَجْهَ عدَمِ رِضاه، فقال لهم: وما يَمنَعُني أنْ أحْزَنَ عليه؛ لأنَّه قُطِعَت يَدُه؟! وهذا مِنَ الرَّحمةِ الإنْسانيَّةِ للنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ؛ لأنَّ إقامةَ الحدِّ على العاصي تُطهِّرُ المُذنِبَ مِن ذَنبِه؛ فلا يَنبَغي لأحدٍ أنْ يُعيِّرَه بعْدَ ذلك بذَنبِه، فيكونَ ذلك مُساعَدةً للشَّيطانِ على إغْواءِ النَّاسِ وعَدمِ تَوبَتِهم؛ ولذلك قال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ لأصْحابِه: «لا تَكونوا أعْوانًا للشَّيطانِ على أخيكُمْ»، وهذا إرْشادٌ مِن النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بعَدَمِ أَذِيَّةِ المُذْنِبِ بعْدَ إقامةِ الحَدِّ عليه؛ حتَّى لا يَقنَطَ مِن رَحْمةِ اللهِ، فيَكونَ ذلك مُساعَدةً للشَّيطانِ وتَسْهيلًا لإغْوائِهِ إلى طَريقِه، ولأنَّ ارْتكابَ الذَّنْبِ لا يُخرِجُ العبْدَ مِن حَظيرةِ الإيمانِ وإنْ نَقَصَهُ، ولكِنَّ إقامةَ الحدِّ تُطهِّرُه مِن ذَنْبِهِ، فيَنْبَغي الدُّعاءُ له بالتَّوبةِ والمَغفِرةِ، وعدَمُ سَبِّه ولَعْنِه.

ثمَّ بيَّن النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ لأصْحابِه أنَّه لا يُمكِنُ للإمامِ إذا وصَل إليه أحَدٌ قدِ ارتَكَبَ ما يُوجِبُ عليه حَدًّا منَ الحُدودِ؛ إلَّا أنْ يُقيمَه امتِثالًا لأمرِ اللهِ سُبحانَه، ولكنْ إذا عَفا النَّاسُ عن بَعضِهم، فلمْ يُوصِّلْ أصْحابُ الحُقوقِ شَكْواهم إلى الإمامِ والحاكِمِ؛ فإنَّه لا يَبحَثُ ولا يُفتِّشُ عن عَفوِهم، ولا يُقيمُ الحُدودَ على مَن لم يُرفَعْ إليه؛ لأنَّ اللهَ عَفوٌّ يُحِبُّ العَفوَ، كما في قولِ اللهِ تعالَى: {وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [النور: 22] ، وهذه دَعوةٌ إلى عَفْوِ النَّاسِ عن المُسِيئينَ حتَّى يَفوزوا بعَفوِ اللهِ يومَ القِيامةِ.

وفي الحَديثِ: أنَّ المُذنِبَ لا يُدعَى عليه بما يُعينُ عليه الشَّيطانَ، بلْ يُدْعى له بالهِدايةِ، والمَغفِرةِ، والرَّحمةِ.

الأصول والأحكام

[المستدرك على الصحيحين] (4/ 424) 8155- حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، ثنا إبراهيم بن مرزوق، ثنا وهب بن جرير، عن شعبة، وأخبرنا أحمد بن جعفر القطيعي، ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدثني أبي، ثنا محمد بن جعفر، عن شعبة، قال: سمعت يحيى الجابر، يقول: سمعت أبا ماجدة، يقول: كنت قاعدا مع عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، فقال: إني لا أذكر أول رجل قطعه رسول الله صلى الله عليه وسلم أتي بسارق فأمر بقطعه فكأنما أسف وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله كأنك كرهت قطعه، قال: ((وما يمنعني، لا تكونوا أعوانا للشيطان على أخيكم إنه لا ينبغي للإمام إذا انتهى إليه حد إلا أن يقيمه، إن الله عفو يحب العفو وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم)) هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه

[مسند أحمد] (7/ 232) 4168- حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، قال: سمعت يحيى بن المجبر، قال: سمعت أبا ماجد يعني الحنفي، قال: كنت قاعدا مع عبد الله ، قال: إني لأذكر أول رجل قطعه، أتي بسارق، فأمر بقطعه، وكأنما أسف وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: قالوا: يا رسول الله، كأنك كرهت قطعه؟ قال: (( وما يمنعني، لا تكونوا عونا للشيطان على أخيكم، إنه ينبغي للإمام إذا انتهى إليه حد أن يقيمه، إن الله عز وجل عفو يحب العفو: {وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم} [النور: 22]

السنن الكبرى للبيهقي- دائرة المعارف (8/ 331) 18067- أخبرنا أبو محمد: جناح بن نذير بن جناح المحاربى بالكوفة أخبرنا أبو جعفر: محمد بن على بن دحيم حدثنا أحمد بن حازم أخبرنا عبيد الله بن موسى أخبرنا إسرائيل عن يحيى الجابر عن أبى ماجد قال: جاء رجل من المسلمين بابن أخ له وهو سكران يعنى إلى عبد الله بن مسعود .

فذكر الحديث فى كيفية جلده قال ثم قال لعمه: بئس لعمر الله والى اليتيم أنت ما أدبت فأحسنت الأدب ولا سترت الخربة.

فقال: يا أبا عبد الرحمن أما والله إنه لابن أخى وما لى ولد وإنى لأجد له من اللوعة ما أجد لولدى ولكن لم آل عن الخير.

فقال عبد الله: إن الله عفو يحب العفو ولكن لا ينبغى لوالى أمر أن يؤتى بحد إلا أقامه ثم أنشأ يحدثنا عن نبى الله-صلى الله عليه وسلم- قال: إن أول رجل قطع من المسلمين رجل من الأنصار أتى به نبى الله-صلى الله عليه وسلم- سرق فقال:(( اذهبوا بصاحبكم فاقطعوه )).

وكأنما أسف وجه نبى الله-صلى الله عليه وسلم- رمادا ثم أشار بيده يخفيه فقال بعض القوم كأن هذا شق عليك؟ فقال:(( لا ينبغى أن تكونوا أعوان الشيطان أو إبليس فإنه لا ينبغى لوالى أمر أن يؤتى بحد إلا أقامه والله عفو يحب العفو )).

ثم قرأ ( وليعفوا وليصفحوا) الآية.

أحاديث ذات صلة