- إنِّي عِنْدَ عَائِشَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، إذْ جَاءَهَا عِرَاقِيٌّ، فَقالَ: أيُّ الكَفَنِ خَيْرٌ؟ قالَتْ: ويْحَكَ! وما يَضُرُّكَ؟ قالَ: يا أُمَّ المُؤْمِنِينَ، أرِينِي مُصْحَفَكِ؟ قالَتْ: لِمَ؟ قالَ: لَعَلِّي أُوَلِّفُ القُرْآنَ عليه؛ فإنَّه يُقْرَأُ غيرَ مُؤَلَّفٍ، قالَتْ: وما يَضُرُّكَ أيَّهُ قَرَأْتَ قَبْلُ؟ إنَّما نَزَلَ أوَّلَ ما نَزَلَ منه سُورَةٌ مِنَ المُفَصَّلِ ، فِيهَا ذِكْرُ الجَنَّةِ والنَّارِ، حتَّى إذَا ثَابَ النَّاسُ إلى الإسْلَامِ نَزَلَ الحَلَالُ والحَرَامُ، ولو نَزَلَ أوَّلَ شَيءٍ: لا تَشْرَبُوا الخَمْرَ، لَقالوا: لا نَدَعُ الخَمْرَ أبَدًا، ولو نَزَلَ: لا تَزْنُوا، لَقالوا: لا نَدَعُ الزِّنَا أبَدًا، لقَدْ نَزَلَ بمَكَّةَ علَى مُحَمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وإنِّي لَجَارِيَةٌ ألْعَبُ: {بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ} [القمر: 46]، وما نَزَلَتْ سُورَةُ البَقَرَةِ والنِّسَاءِ إلَّا وأَنَا عِنْدَهُ، قالَ: فأخْرَجَتْ له المُصْحَفَ، فأمْلَتْ عليه آيَ السُّوَرِ.
أخرجه عبد الرزاق (5943)، والمستغفري في ((فضائل القرآن)) (426) واللفظ لهما، والنسائي في ((الكبرى)) (11494) بنحوه.
كانت أمُّ المؤمنين عائشةُ رَضِيَ اللهُ عنها من أكثَرِ الصَّحابةِ عِلمًا، وكان التابعون يحرِصون على التلقِّي والأخذِ عنها، وكانت تُبَيِّنُ لهم الغامِضَ من الأمورِ.
وفي هذا الحَديثِ يروي التابعيُّ يُوسُفُ بْنُ مَاهَك أنَّه كان عند عائشَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللهُ عَنْها ذاتَ مَرَّةٍ، فجاءها رجُلٌ مِن أهلِ العِراقِ يَسْأَلُها: «أيُّ الكَفَنِ خَيرٌ؟» يَحتمِلُ أنْ يَكونَ سُؤالُه عن الكَمِّ، أو عنِ الكيفِ، يعني أبيَضَ أو غيرَه، وناعِمًا أو خشِنًا، أو عن النَّوعِ أنَّه قُطنٌ أو كَتَّانٌ مثلًا؟ فقالَت له مُتعجِّبةً: «وَيْحَك! وما يَضَرُّك؟» أي: أَيُّ شَيءٍ يَضُرُّك بعْدَ مَوتِك وسُقوطِ التَّكليفِ عنكَ في أيِّ كَفنٍ كُفِّنتَ؟ ثمَّ طلب منها الرَّجُلُ أن تُرِيَه مُصحَفَها، فسألَتْه عن السَّبَبِ، فقال: «لعلِّي أُؤلِّف»، أي: أُرتِّبَ القُرآنَ عليه؛ «فإنَّه يُقرأ غيرَ مؤلَّفٍ، فقالت: وما يَضُرُّكَ» أيَّ آياتِ القرآنِ قرَأتَ قبْلَ الأخرى.
ولعلَّ هذا العراقيَّ كان ممَّن أخَذَ بقِراءةِ ابنِ مَسعودٍ الذي لم يُوافِقْ على الرُّجوعِ عن قِراءتِه ولا على إعدامِ مُصحَفِه، وكان تَأليفُ مُصحَفِ العراقيِّ مُغايرًا لتَأليفِ مُصحفِ عُثمانَ؛ فلذلك جاءَ إلى عائشةَ رضِيَ اللهُ عنها وسَألَ الإملاءَ مِن مُصْحفِها، ثمَّ قالت: «إنَّما نَزَلَ أوَّل ما نَزَل منه»، أي: مِن القُرآنِ «سُورةٌ من المُفَصَّلِ، فيها ذِكرُ الجنَّةِ والنَّارِ»، والثابِتُ أنَّ أوَّلُ ما نَزَل على الإطلاقِ سورةُ (اقْرَأ)، وفيها ذِكْرُ الجنَّةِ والنَّارِ، «حتَّى إذا ثابَ»، أي: رَجَع «النَّاسُ إلى الإسلامِ» واطمَأنَّت نُفوسُهم عليه، وتَيقَّنوا أنَّ الجنَّةَ للمُطيعِ والنَّارَ للعاصي «نزَلَ الحَلالُ والحَرامُ»، فأشارتْ بذلك إلى الحِكمةِ الإلهيَّةِ في تَرتيبِ التَّنزيلِ، وأنَّه أوَّلُ ما نَزَل مِن القُرآنِ الدُّعاءُ إلى التَّوحيدِ، والتَّبشيرُ للمُؤمنينَ والمُطيعينَ بالجنَّةِ، والإنذارُ والتَّخويفِ للكافرينَ بالنَّارِ، فلمَّا اطمأنَّت النَّفوسُ على ذلكَ أُنزِلَت الأحكامُ؛ ولهذا قالَت: «وَلو نَزَلَ أوَّلَ شَيءٍ: لا تَشرَبوا الخَمرَ، لَقالوا: لا نَدَعُ الخَمْرَ أبَدًا، ولو نَزَلَ: لا تَزْنُوا، لَقالوا: لا نَدَعُ الزِّنَا أبَدًا»؛ وذلك لانطباعِ النُّفوسِ بالنُّفرةِ عَن تَركِ المَألوفِ، فتدَرَّج التنزيلُ والتشريعُ حتى استقَرَّ الإيمانُ في القلوبِ، فلمَّا امتلأت قلوبُهم بنورِ الإيمانِ نزل التحريمُ والتحليلُ والأحكامُ، فأسرع المؤمنون إلى تنفيذِ أوامِرِ اللهِ.
ثُمَّ قالَت عائِشةُ رضِيَ اللهُ عنها: «لَقَد نَزَلَ بمَكَّةَ» الوَحيُ «على مُحَمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وإنِّي لَجاريةٌ»، أي: طِفلةٌ صَغيرةٌ «أَلعَب: {بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ} [القمر: 46]»؛ إشارةً منها إلى تَقويةِ ما ظَهَرَ لها مِن الحِكمةِ المَذكورةِ، وهو تَقدُّمُ سُورةِ القَمرِ ولَيس فيها شَيءٌ مِن الأحكامِ على نُزولِ سُورة البَقرةِ والنِّساءِ مَع كَثرةِ اشتِمالِهما على الأحكامِ.
ثم قالت: «ما نَزَلَتْ سُورَةُ البَقَرَةِ والنِّسَاءِ إلَّا وأَنَا عِنْدَهُ» تَعني: بالمَدينةِ؛ لأنَّ دُخولَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم علَيها إنَّما كانَ بعْدَ الهِجرةِ، وأَرادَت بذلِك تَأخُّرَ نُزولِ الأحكامِ.
ثُمَّ أَخرَجت عائِشةُ رضِيَ اللهُ عنها للسَّائلِ العِراقيِّ المُصحَفَ، فأَمْلَتْ عليه آيَ السُورةِ، أي: آياتِ كُلِّ سُورةٍ.
وفي الحَديثِ: فضْلُ أمِّ المؤمنينَ عائشةَ رضِيَ الله عنها، وعَظيمُ فِقهِها وعِلْمِها.
[صحيح البخاري] (6/ 185) :
4993 - حدثنا إبراهيم بن موسى، أخبرنا هشام بن يوسف: أن ابن جريج أخبرهم قال: وأخبرني يوسف بن ماهك قال: إني عند عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها إذ جاءها عراقي فقال: أي الكفن خير؟ قالت: ويحك وما يضرك.
قال: يا أم المؤمنين أريني مصحفك، قالت: لم؟ قال: لعلي أولف القرآن عليه، فإنه يقرأ غير مؤلف، قالت: وما يضرك أيه قرأت قبل، إنما نزل أول ما نزل منه سورة من المفصل، فيها ذكر الجنة والنار، حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام، ولو نزل أول شيء: لا تشربوا الخمر، لقالوا: لا ندع الخمر أبدا، ولو نزل: لا تزنوا، لقالوا: لا ندع الزنا أبدا، لقد نزل بمكة على محمد صلى الله عليه وسلم وإني لجارية ألعب: {بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر} وما نزلت سورة البقرة والنساء إلا وأنا عنده، قال: فأخرجت له المصحف، فأملت عليه آي السورة.
مصنف عبد الرزاق (3/ 352 ت الأعظمي) :
5943 - عن ابن جريج قال: أخبرني يوسف بن ماهك قال: إني عند عائشة إذ جاءها عراقي فقال: أي الكفن خير؟ فقالت: ويحك، وما يضرك؟ قال: يا أم المؤمنين فأريني مصحفك لعلي أؤلف القرآن عليه فإنا نقرأه غير مؤلف قالت: " وما يضرك أيه قرأت قبل، إنما أنزل منه سورة من المفصل فيها ذكر الجنة والنار، حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام، ولو نزل أول شيء لا تشربوا الخمر لقالوا: لا ندع الخمر أبدا، ولو نزل لا تقربوا النساء لقالوا: لا ندع أبدا، لقد نزل بمكة ـ وإني لجارية ألعب على محمد صلى الله عليه وسلم الساعة أدهى وأمر، وما نزلت سورة البقرة إلا وأنا عنده " قال: فأخرجت له المصحف فأملت عليه آي السور
فضائل القرآن للمستغفري (1/ 360) :
426- أخبرنا أبو الهيثم محمد بن المكي وأبو علي الحاجبي أخبرنا محمد بن يوسف حدثنا محمد بن إسماعيل حدثنا إبراهيم بن موسى أخبرنا هشام بن يوسف أن ابن جريج أخبرهم قال: وأخبرني يوسف بن ماهك قال: إني عند عائشة أم المؤمنين إذ جاءها عراقي فقال: أي الكفن خير؟ قالت: ويحك وما يضرك؟ قال: ياأم المؤمنين أريني مصحفك قالت: لم؟ قال: لعلي أؤلف القرآن عليه فإنه يقرأ عندنا غير مؤلف قالت: وما يضرك أيه قرأت قبل إنما نزل أول ما نزل منه سور من المفصل فيها ذكر الجنة والنار حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام ولو نزل أول شيء لا تشربوا الخمر لقالوا: لا ندع الخمر أبدا ولو نزل لا تزنوا لقالوا: لا ندع الزنا أبدا لقد نزل بمكة على محمد وإني لجارية ألعب {بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر} وما نزلت سورة البقرة والنساء إلا وأنا عنده قال: فأخرجت له المصحف فأملته عليه أي السور.
السنن الكبرى - النسائي - ط الرسالة (10/ 283) :
11494 - أخبرنا يوسف بن سعيد، قال: حدثنا حجاج، عن ابن جريج، قال: أخبرني يوسف بن ماهك ، قال: إني لعند عائشة أم المؤمنين ، إذ جاءها عراقي ، فقال: أي أم المؤمنين، أريني مصحفك، قالت: لم؟ ، قال: أريد أن أؤلف عليه القرآن، فإنا نقرأه عندنا غير مؤلف، قالت: " ويحك، وما يضرك أيه قرأت قبل، إنما نزلت أول ما نزل سورة من المفصل ، فيها ذكر الجنة والنار، حتى إذا ثاب الناس للإسلام ، نزل الحلال والحرام، ولو نزل أول شيء: لا تشربوا الخمر، قالوا: لا ندع شرب الخمر، ولو نزل أول شيء: لا تزنوا، لقالوا: لا ندع الزنا، وإنه أنزلت {والساعة أدهى وأمر} [القمر: 46] بمكة، وإني جارية ألعب، على محمد صلى الله عليه وسلم، وما نزلت سورة البقرة إلا وأنا عنده "، قال: فأخرجت إليه المصحف ، فأملت عليه السور