قَالَ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ: اسْتَأْذَنَ ابنُ عَبَّاسٍ قَبْلَ مَوْتِهَا علَى عَائِشَةَ وهي مَغْلُوبَةٌ، قالَتْ: أخْشَى أنْ يُثْنِيَ عَلَيَّ، فقِيلَ: ابنُ عَمِّ رَسولِ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، ومِنْ وُجُوهِ المُسْلِمِينَ، قالَتْ: ائْذَنُوا له، فَقالَ: كيفَ تَجِدِينَكِ؟ قالَتْ: بخَيْرٍ إنِ اتَّقَيْتُ، قالَ: فأنْتِ بخَيْرٍ إنْ شَاءَ اللَّهُ؛ زَوْجَةُ رَسولِ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، ولَمْ يَنْكِحْ بِكْرًا غَيْرَكِ، ونَزَلَ عُذْرُكِ مِنَ السَّمَاءِ.
ودَخَلَ ابنُ الزُّبَيْرِ خِلَافَهُ، فَقالَتْ: دَخَلَ ابنُ عَبَّاسٍ فأثْنَى عَلَيَّ، ووَدِدْتُ أنِّي كُنْتُ نِسْيًا مَنْسِيًّا.
أخرجه أحمد في ((فضائل الصحابة)) (1644) واللفظ له، والدارمي في ((الرد على الجهمية)) (84)، وأبو يعلى (2648) بمعناه.
كلَّما ازداد العبدُ مَعرِفةً برَبِّه، وشاهَدَ نِعمَه عليه، شَعَرَ بالتَّقصيرِ في حقِّه سُبحانه، وتَواضَع وانكسَرَ، فلا يَرى لنَفْسِه فضْلًا، وهكذا كان أصحابُ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم.
وفي هذا الحَديثِ يحكي التَّابِعيُّ عبدُ اللهِ بنُ أبي مُلَيكةَ أنَّ عَبدَ اللهِ بنَ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهما استأذن على أمِّ المؤمنين عائشةَ رضِيَ اللهُ عنها قبْلَ مَوتِها؛ كي يَزورَها، وكانت وَراءَ حِجابٍ، وكان قد غلبها المرَضُ فأضعَفَها عن التَّصرُّفِ، فقالَتْ: «أخْشَى أنْ يُثنيَ علَيَّ»، يعني: يمدَحُها ويذكُرُ فضائِلَها؛ لأنَّ الثَّناءَ يُورِثُ العُجْبَ، وهو أنْ يَحصُلَ للإنسانِ اغترارٌ بطاعتِه، فيُؤدِّيَ بصاحِبِه إلى الكِبرِ والفَخرِ والاستِطالةِ، ما يكون سَببَ هَلاكِه، فقال لها ابنُ أخيها عبدُ اللهِ بنُ عبْدِ الرَّحمنِ بنِ أبي بكرٍ: «إنَّه ابْنُ عَمِّ رَسُولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، ومِنْ وُجوهِ المُسلمِينَ»، أي: لا يَنْبغي أنْ يُرَدَّ؛ لقَرابتِهِ مِن رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، ومَكانتِهِ بيْن النَّاسِ، فأذِنَت له بالدُّخولِ، فلمَّا دخل ابنُ عباس رَضِيَ اللهُ عنهما سألها: «كَيْفَ تَجِدِينَكِ؟» أي: كيف حالُكِ؟ قالَتْ: «بخَيرٍ إن اتَّقَيْتُ»، أي: إنْ كنتُ ممَّن يَتَّقِي اللهَ في السِّرِّ والعلَنِ، قالَ: «فَأَنْتِ بِخَيْرٍ إنْ شاءَ اللهُ» وعلَّل ذلك بأنها زَوْجَةُ رَسُولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وَلَمْ يَنْكِحْ بِكرًا غَيْرَها، ونَزَلَت براءتُها مِنَ السَّماءِ، وذلك في حادثةِ الإفْكِ، حيث برَّأَها اللهُ بقُرآنٍ يُتلَى.
ثمَّ دَخَلَ ابْنُ الزُّبَيْرِ بعْدَ أنْ خرَجَ ابنُ عبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهم، فقالتْ له: «دَخَلَ ابْنُ عَبَّاسٍ فأثْنَى علَيَّ، ووَدِدْتُ أنِّي كُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا»، أي: ليتَني لم أكُ شيئًا، وهذه عادةُ السَّلفِ الصَّالحِ في التَّواضُعِ للهِ ربِّ العالَمينَ.
وفي الحَديثِ: أنَّ أمْرَ المؤمنِ الحقِّ بيْن الخوْفِ مِن اللهِ وعِقابِه، وبيْن الرَّجاءِ في ثَوابِه ورَحمتِه.
وفيه: مَشروعيَّةُ تَزكيةِ مَن هو أهْلٌ لذلك إذا أُمِن عليه الغُرورُ والعُجبُ.
وفيه: أنَّ المؤمنَ يَخافُ مِن التَّزكيةِ التي تُؤدِّي إلى العُجبِ.
[صحيح البخاري] (6/ 106) :
4753 - حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا يحيى، عن عمر بن سعيد بن أبي حسين، قال: حدثني ابن أبي مليكة، قال: استأذن ابن عباس قبل موتها على عائشة وهي مغلوبة، قالت: أخشى أن يثني علي، فقيل: ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن وجوه المسلمين، قالت: ائذنوا له، فقال: كيف تجدينك؟ قالت: بخير إن اتقيت، قال: فأنت بخير إن شاء الله، زوجة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم ينكح بكرا غيرك، ونزل عذرك من السماء ودخل ابن الزبير خلافه، فقالت: دخل ابن عباس فأثنى علي، ووددت أني كنت نسيا منسيا
فضائل الصحابة لأحمد بن حنبل (2/ 875) :
1644 - حدثنا عبد الله قال: حدثني أبي، قثنا يحيى بن سعيد، عن عمر بن سعيد قال: أخبرني ابن أبي مليكة قال: استأذن ابن عباس ، على عائشة قبيل موتها وهي مغلوبة فقالت: إني أخشى أن يثني علي، فقيل لها: ابن عم رسول الله، ومن وجوه المسلمين قالت: ائذنوا له، فقال: كيف تجدينك يا أمه؟ قالت: بخير إن اتقيت قال: فإنك بخير إن شاء الله إن اتقيت، زوجة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم ينكح بكرا غيرك ونزل عذرك من السماء ، فدخل ابن الزبير خلافه، فقالت: دخل ابن عباس فأثنى، وددت أني كنت نسيا منسيا
الرد على الجهمية للدارمي - ت البدر (ص57) :
84 - حدثنا النفيلي، ثنا زهير بن معاوية، ثنا عبد الله بن عثمان بن خثيم، حدثني عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة، أنه حدثه ذكوان، حاجب عائشة رضي الله عنها، أن ابن عباس رضي الله عنهما دخل على عائشة وهي تموت، فقال لها: كنت أحب نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب إلا طيبا، وأنزل الله براءتك من فوق سبع سموات، جاء بها الروح الأمين، فأصبح ليس مسجد من مساجد الله تعالى يذكر فيه الله إلا وهي تتلى فيه آناء الليل والنهار
مسند أبي يعلى (5/ 56 ت حسين أسد) :
2648 - حدثنا عبيد الله بن عمر، حدثنا بشر، قال أخبرنا عبد الله بن عثمان، عن عبيد الله بن أبي مليكة، حدثني ذكوان، أن ابن عباس ، جاء يستأذن على عائشة، وهي في الموت، قال: فجئت وعند رأسها عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر، فقلت: هذا ابن عباس يستأذن عليك؟، قالت: دعني من ابن عباس فلا حاجة لي به ولا بتزكيته، قال: فقال عبد الله: يا أمتاه، إن عبد الله بن عباس من صالحي بنيك يريد أن يسلم عليك، قالت: فأذن له إن شئت، قال: فجاء ابن عباس فقعد، فقال: أبشري فوالله ما بينك وبين أن تفارقي كل نصب وتلقي محمدا والأحبة إلا أن تفارق روحك جسدك، قالت: أيضا يا ابن عباس، قال: كنت أحب نساء رسول الله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يكن يحب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا طيبا، سقطت قلادتك يوم الأبواء فأصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنزل يلتقطها، وأصبح الناس ليس معهم ماء فأنزل الله تبارك وتعالى أن تيمموا صعيدا طيبا فكان ذلك من سببك ما أنزل الله لهذه الأمة من الرخصة، ثم أنزل الله براءتك من فوق سبع سماوات، فأصبح ليس مسجد من مساجد الله يذكر فيه الله إلا تتلى فيه براءتك آناء الليل وآناء النهار، قالت: دعني منك يا ابن عباس، فوالله لوددت أني كنت نسيا منسيا