- أنْكَحَنِي أبِي امْرَأَةً ذَاتَ حَسَبٍ، فَكانَ يَتَعَاهَدُ كَنَّتَهُ، فَيَسْأَلُهَا عن بَعْلِهَا ، فَتَقُولُ: نِعْمَ الرَّجُلُ مِن رَجُلٍ؛ لَمْ يَطَأْ لَنَا فِرَاشًا، ولَمْ يُفَتِّشْ لَنَا كَنَفًا مُنْذُ أتَيْنَاهُ، فَلَمَّا طَالَ ذلكَ عليه ذَكَرَ للنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فَقالَ: الْقَنِي به، فَلَقِيتُهُ بَعْدُ، فَقالَ: كيفَ تَصُومُ؟ قالَ: كُلَّ يَومٍ، قالَ: وكيفَ تَخْتِمُ؟ قالَ: كُلَّ لَيْلَةٍ، قالَ: صُمْ في كُلِّ شَهْرٍ ثَلَاثَةً، واقْرَأِ القُرْآنَ في كُلِّ شَهْرٍ، قالَ: قُلتُ: أُطِيقُ أكْثَرَ مِن ذلكَ، قالَ: صُمْ ثَلَاثَةَ أيَّامٍ في الجُمُعَةِ، قُلتُ: أُطِيقُ أكْثَرَ مِن ذلكَ، قالَ: أفْطِرْ يَومَيْنِ وصُمْ يَوْمًا، قالَ: قُلتُ: أُطِيقُ أكْثَرَ مِن ذلكَ، قالَ: صُمْ أفْضَلَ الصَّوْمِ صَوْمَ دَاوُدَ: صِيَامَ يَومٍ، وإفْطَارَ يَومٍ، واقْرَأْ في كُلِّ سَبْعِ لَيَالٍ مَرَّةً.
فَلَيْتَنِي قَبِلْتُ رُخْصَةَ رَسولِ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم؛ وذَاكَ أنِّي كَبِرْتُ وضَعُفْتُ، فَكانَ يَقْرَأُ علَى بَعْضِ أهْلِهِ السُّبْعَ مِنَ القُرْآنِ بالنَّهَارِ، والذي يَقْرَؤُهُ يَعْرِضُهُ مِنَ النَّهَارِ؛ لِيَكونَ أخَفَّ عليه باللَّيْلِ، وإذَا أرَادَ أنْ يَتَقَوَّى أفْطَرَ أيَّامًا وأَحْصَى، وصَامَ مِثْلَهُنَّ كَرَاهيةَ أنْ يَتْرُكَ شيئًا فَارَقَ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عليه.
أخرجه مسلم (1159) باختلاف يسير
كان النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أعبَدَ النَّاسِ للهِ، وأحرَصَهم على مَرضاتِه، ومع هذا فقدْ علَّمَنا اليُسرَ في العبادةِ، وأخْذَ النَّفْسِ بما تَستطيعُ، وتَرْكَ التَّشديدِ عليها، فيَجمَعُ الإنسانُ بيْن دُنياهُ وآخِرتِه.
وفي هذا الحَديثِ يَحْكي عَبدُ اللهِ بنُ عَمْرٍو رضِيَ اللهُ عنهما أنَّ أباه عَمْرَو بنَ العاصِ رضِيَ اللهُ عنه زوَّجَه امْرَأةً -يُقالُ: إنَّها أُمُّ مُحَمَّدٍ بِنتُ مَحْميةَ بنِ جَزْءٍ الزُّبَيْديِّ- ذاتَ شَرَفٍ وحسَبٍ، فَكانَ عَمْرٌو رضِيَ اللهُ عنه يَتَعاهَدُ «كَنَّتَه»، أي: زَوجةَ ابنِه، فَيَسأَلُها عَن شَأنِ ابنِه معها، فَتَقولُ: «نِعْمَ الرَّجُلُ مِن رَجُلٍ؛ لَم يَطَأْ لَنا فِراشًا»، أي: لَم يُضاجِعْنا حَتَّى يَطَأ لَنا فِراشًا، «وَلَم يُفَتِّش لَنا كَنَفًا»، أي: ساتِرًا «مُنذُ أتَيْناه»، وكنَّت بذلك عن تركِه لجماعِها؛ إذ عادةُ الرَّجُلِ إدخالُ يَدِه في داخِلِ ثَوبِ زَوجتِه.
فَلَمَّا طالَ ذَلك على عَمْرٍو رضِيَ اللهُ عنه، وَخافَ أنْ يَلحَقَ ابنَه إِثمٌ بِتَضْييعِ حَقِّ الزَّوجةِ، ذَكَرَ ذَلك للنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، طلب منه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أن يقابِلَ عَبدَ اللهِ رَضِيَ اللهُ عنه، فلما التقى به النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم سأله: كَيْفَ تَصومُ؟ فَأجابَه: أصومُ كُلَّ يَومٍ.
وَكَيْفَ تَختِمُ القُرآنَ؟ فَأجابَه: أخْتِم كُلَّ لَيلةٍ خَتمةً.
فأشار عليه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بأن يصومَ في كُلِّ شَهرٍ ثَلاثةَ أيَّامٍ وأن يقرَأَ القُرآنَ في كُلِّ شَهْر خَتْمةً.
فراجع عَبْدُ اللهِ رَضِيَ اللهُ عنه رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وذكر أنَّه يَقدِرُ على أكثَرَ من ذلك، فأشار عليه النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بأن يصومَ ثَلاثةَ أيَّامٍ في الأُسبوعِ، فذكر عَبدُ اللهِ رَضِيَ اللهُ عنه لرَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنَّه يقدِرُ على أكثَرَ من ذلك، فَقالَ له صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: أفطِرْ يَومَينِ وَصُم يَومًا.
فَقالَ عبدُ اللهِ بنُ عَمْرٍو رَضِيَ اللهُ عنه: أُطيقُ أكثَرَ مِن ذَلك، قالَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: «صُم أفضَلَ الصَّومِ؛ صَومَ داوُدَ نَبيِّ اللهِ عليه السَّلامُ: صيامُ يَوْمٍ، وَإِفْطارُ يَومٍ، واقرَأْ في كُلِّ سَبْعِ لَيالٍ مَرَّةً».
يعني: اختِمِ القُرآنَ مَرَّةً كُلَّ أُسبوعٍ.
فتمَنَّى عَبدُ اللهِ بنُ عَمرٍو رَضِيَ اللهُ عنهما بعدما كَبِرَ وضَعُفت قوَّتُه أنْ لو كان قَبِلَ التخفيفَ مِن رَسولِ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فَكانَ يَقرَأُ على مَن تَيسَّرَ له من أهلِه السُّبْعَ مِن القُرْآنِ بِالنَّهارِ، والَّذي يُريدُ أن يَقْرَأه بِاللَّيْلِ يَعرِضه مِن النَّهارِ؛ ليَكونَ أخَفَّ عليه بِاللَّيلِ.
وَإِذا أرادَ أن يَتَقَوَّى على الصِّيامِ أفْطَرَ أيَّامًا، وَأحْصى عَدَد الأيَّام التي أفطرها وَصامَ أيَّامًا مِثلَهنَّ؛ لئلَّا يَترُكَ شَيْئًا مات النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وكان عبدُ اللهِ رَضِيَ اللهُ عنه يفعَلُه.
وفي الحَديثِ: أنَّ أفْضلَ صَومِ التَّطوُّع هو صَوْمُ نَبيِّ الله داوُدَ عليه السَّلامُ.
وفيه: الاقتِصادُ في بَعْضِ العِباداتِ؛ ليَتَبَقَّى بَعضُ القوَّةِ لغَيرِها.
وفيه: بَيانُ رِفقِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بأُمَّتِه، وَشَفَقَتِه عليهم، وَإِرشادِه إيَّاهُم إلى ما يُصلِحهم، وَحَثِّه إيَّاهم على ما يُطيقونَ الدَّوامَ عليه، وَنَهْيهم عَن التَّعمُّقِ في العِبادةِ؛ لما يُخْشى مِن إِفْضائِه إلى المَلَلِ أو تَركِ البَعضِ.
وفيه: تقديمُ الواجِبِ من حَقِّ الأهلِ على التطَوُّعِ بالصِّيامِ والقيامِ.
وفيه: الإخبارُ عن الأعمالِ الصَّالحةِ، والأورادِ، ومحاسِنِ الأعمالِ عند أَمْنِ الرِّياءِ.
وفيه: تفَقُّدُ الوالِدِ أحوالَ وَلَدِه وزوجتِه في بَيتِه.
وفيه: استخدامُ الكناياتِ في الكلامِ عَمَّا يُستقبَحُ ذِكْرُه.
[صحيح مسلم] (2/ 813 ) 182- (1159) وحدثنا عبد الله بن محمد الرومي.
حدثنا النضر بن محمد.
حدثنا عكرمة (وهو ابن عمار) حدثنا يحيى قال: انطلقت أنا وعبد الله بن يزيد حتى نأتي أبا سلمة.
فأرسلنا إليه رسولا.
فخرج علينا.
وإذا عند باب داره مسجد.
قال
فكنا في المسجد حتى خرج إلينا.
فقال: إن تشاؤوا، أن تدخلوا، وإن تشاؤوا، أن تقعدوا ههنا.
قال فقلنا: لا.
بل نقعد ههنا.
فحدثنا.
قال: حدثني عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما.
قال: كنت أصوم الدهر وأقرأ القرآن كل ليلة.
قال: فإما ذكرت للنبي صلى الله عليه وسلم، وإما أرسل إلي فأتيته.
فقال لي: (( ألم أخبر أنك تصوم الدهر وتقرأ القرآن كل ليلة؟)) فقلت: بلى يا نبي الله! ولم أرد بذلك إلا الخير.
قال: ((فإن بحسبك أن تصوم من كل شهر ثلاثة أيام)) قلت: يا نبي الله! إني أطيق أفضل من ذلك.
قال ((فإن لزوجك عليك حقا.
وإن لزورك عليك حقا.
ولجسدك عليك حقا)) فصم صوم داود نبي الله صلى الله عليه وسلم فإنه كان أعبد الناس((.
قال قلت: يا نبي الله! وما صوم داود؟ قال))كان يصوم يوما ويفطر يوما(( قال)) واقرأ القرآن في كل شهر(( قال قلت: يا نبي الله! إني أطيق أفضل من ذلك.
قال:))فاقرأه في كل عشرين(( قال قلت: يا نبي الله! إني أطيق أفضل من ذلك.
قال:))فاقرأه في كل عشر(( قال قلت: يا نبي الله! إني أطيق أكثر من ذلك.
قال
))فاقرأه في كل سبع، ولا تزد على ذلك.
فإن لزوجك عليك حقا.
ولزورك عليك حقا.
ولجسدك عليك حقا((.
قال: فشددت.
فشدد علي.
قال: وقال لي النبي صلى الله عليه وسلم)) إنك لا تدري لعلك يطول بك عمر((.
قال: فصرت إلى الذي قال لي النبي صلى الله عليه وسلم.
فلما كبرت وددت أني كنت قبلت رخصة نبي الله صلى الله عليه وسلم
183- (1159) وحدثنيه زهير بن حرب.
حدثنا روح بن عبادة.
حدثنا حسين المعلم عن يحيى بن أبي كثير ، بهذا الإسناد.
وزاد فيه، بعد قوله))من كل شهر ثلاثة أيام((:))فإن لك بكل حسنة عشر أمثالها.
فذلك الدهر كله((.
وقال في الحديث: قلت
وما صوم نبي الله داود؟ قال))نصف الدهر(( ولم يذكر في الحديث من قراءة القرآن شيئا.
ولم يقل))وإن لزورك عليك حقا(( ولكن قال))وإن لولدك عليك حقا
صحيح البخاري (6/ 196) :
5052 - حدثنا موسى، حدثنا أبو عوانة، عن مغيرة، عن مجاهد، عن عبد الله بن عمرو قال: أنكحني أبي امرأة ذات حسب، فكان يتعاهد كنته فيسألها عن بعلها، فتقول: نعم الرجل من رجل، لم يطأ لنا فراشا، ولم يفتش لنا كنفا مذ أتيناه، فلما طال ذلك عليه، ذكر للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال: القني به، فلقيته بعد، فقال: كيف تصوم؟ قال: كل يوم، قال: وكيف تختم؟ قال: كل ليلة، قال: صم في كل شهر ثلاثة، واقرأ القرآن في كل شهر، قال: قلت: أطيق أكثر من ذلك، قال: صم ثلاثة أيام في الجمعة، قلت: أطيق أكثر من ذلك، قال: أفطر يومين وصم يوما، قال: قلت: أطيق أكثر من ذلك، قال: صم أفضل الصوم، صوم داود، صيام يوم وإفطار يوم، واقرأ في كل سبع ليال مرة، فليتني قبلت رخصة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذاك أني كبرت وضعفت، فكان يقرأ على بعض أهله السبع من القرآن بالنهار، والذي يقرؤه يعرضه من النهار، ليكون أخف عليه بالليل، وإذا أراد أن يتقوى أفطر أياما، وأحصى وصام مثلهن، كراهية أن يترك شيئا فارق النبي صلى الله عليه وسلم عليه.
قال أبو عبد الله: وقال بعضهم: في ثلاث وفي خمس، وأكثرهم على سبع.