خَطَبَ رَسولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم خُطْبَةً ما سَمِعْتُ مِثْلَهَا قَطُّ؛ قالَ: لو تَعْلَمُونَ ما أعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا، ولَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا، قالَ: فَغَطَّى أصْحَابُ رَسولِ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وُجُوهَهُمْ، لهمْ خَنِينٌ، فَقالَ رَجُلٌ: مَن أبِي؟ قالَ: فُلَانٌ، فَنَزَلَتْ هذِه الآيَةُ: {لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ} [المائدة: 101].

الدلالات الموضوعية:# قرآن - أسباب النزول# فضائل النبي وصفته ودلائل النبوة - إخبار النبي عن المغيبات# تفسير آيات - سورة المائدة# رقائق وزهد - الحزن والبكاء# اعتصام بالسنة - ما يكره من كثرة السؤال وتكلف ما لا يعنيه
المصدر: صحيح البخاري
الراوي: أنس بن مالك
المحدث: البخاري
الحكم:[صحيح]

بيانات التخريج:

أخرجه مسلم (2359) بنحوه، والنسائي في ((السنن الكبرى)) (11089)، والدارمي (2777) بمعناه.

الشرح والتوضيح

مِن مُعجِزاتِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ودَلائلِ صِدقِ نُبوَّتِه إخبارُه عن الغَيبيَّاتِ التي يُطلِعُه اللهُ عليها، وقد يكونُ ذلك الغيبُ فيه نعيمٌ أو عذابٌ؛ تحذيرًا لأُمَّتِه، وحثًّا لهم على عَملِ الخَيرِ، وترْكِ كُلِّ شرٍّ.

وفي هذا الحَديثِ يُخبِرُ أنسُ بنُ مالكٍ رَضِيَ اللهُ عنه أنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم خَطَب فيهم خُطبةً لم يسمَعْ أنسٌ رَضِيَ اللهُ عنه مِثْلَها قطُّ.

وفي رواية في الصَّحيحينِ: «خَرَجَ حِينَ زَاغَتِ الشَّمْسُ، فَصَلَّى الظُّهْرَ، فَقَامَ عَلَى المِنْبَرِ، فَذَكَرَ السَّاعَةَ، فَذَكَرَ أَنَّ فِيهَا أُمُورًا عِظَامًا»، فقال: «لو تَعْلَمُونَ ما أَعْلَمُ» يعني: مِن عَظمةِ اللهِ وشِدَّةِ عِقابِه لأهلِ الجرائمِ، والأهوالِ التي تَقَعُ عندَ النَّزْعِ والموتِ، وفي القبْرِ، ويومَ القِيامةِ؛ «لَضَحِكْتم قليلًا ولَبَكَيْتُم كَثيرًا» يعني: لقَلَّ ضَحِكُكم ولَزاد بُكاؤُكم مِن هَولِ ما تَعلَمون، ومُناسبةُ كَثرةِ البُكاءِ وقِلَّةِ الضَّحِكِ في هذا المقامِ واضحةٌ، والمرادُ به التَّخويفُ.

«فغَطَّى أصحابُ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وُجوهَهم لهم خَنِينٌ»، أي: صوتٌ مُرتفِعٌ مِن الأنفِ بالبُكاءِ مع غُنَّةٍ، وهو دونَ الانتِحابِ.

فقال رجلٌ -وهو عبدُ اللهِ بنُ حُذافةَ رَضِيَ اللهُ عنه، أو قَيسُ بنُ حُذافةَ، وقيل غيرُ ذلك-: «مَن أبي؟» وكان يُطعَنُ في نَسَبِه.

فقال صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: «أبوك فُلانٌ».

يعني: حُذافةَ.

فنَزَلَتِ الآيةُ مِن سُورةِ المائدةِ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ} [المائدة: 101] ، والمعنى: يا أيُّها الذين آمنوا باللهِ حَقَّ الإيمانِ، لا تسألوا عن أشياءَ لا حاجةَ لكم بها، هذه الأشياءُ إن تُبْدَ لكم وتظهَرْ تَغُمَّكم وتَحْزُنْكم وتَندَموا على السُّؤالِ عنها؛ لِما يترتَّبُ عليها من إحراجِكم، ومن المشقَّةِ عليكم، ومن الفضيحةِ لبعضِكم.

وهذا النَّهيُ إنَّما كان وقْتَ نُزولِ الوحيِ الذي يُمكِنُ أنْ تَتغيَّرَ فيه الأحكامُ، أمَّا بعْدَ وَفاةِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فيَجِبُ على الإنسانِ أن يَسأَلَ عمَّا أَشْكَل عليه في أُمورِ دِينِه؛ لِقَولِه تعالى: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النحل: 43] .

وفي الحَديثِ: أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أعظمُ النَّاسِ خَشيةً لربِّه؛ لأنَّ خَشيةَ اللهِ إنَّما تكونُ على مِقدارِ العِلمِ بِه، ولمَّا لم يَعلمْ أحدٌ كعِلمِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، لم يَخشَ كخَشيتِه.

وفيه: فضْلُ الصَّحابةِ وبُكاؤُهم عندَ مَوعظةِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لهم.

وفيه: النَّهيُ عن كَثرةِ السُّؤالِ وتَكلُّفِ ما لا يَعْنِي.

الأصول والأحكام

[صحيح مسلم] (4/ 1832) 134 - (2359) حدثنا محمود بن غيلان، ومحمد بن قدامة السلمي، ويحيى بن محمد اللؤلؤي، وألفاظهم متقاربة، قال محمود: حدثنا النضر بن شميل، وقال الآخران: أخبرنا النضر، أخبرنا شعبة، حدثنا موسى بن أنس، عن أنس بن مالك ، قال: بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أصحابه شيء فخطب فقال: عرضت علي الجنة والنار، فلم أر كاليوم في الخير والشر، ولو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا قال: فما أتى على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أشد منه، قال: غطوا رءوسهم ولهم خنين، قال: فقام عمر فقال: رضينا بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد نبيا.

قال: فقام ذاك الرجل فقال: من أبي؟ قال: أبوك فلان .

فنزلت: {يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم} [المائدة: 101]

السنن الكبرى للنسائي (10/ 87) 11089 - أخبرنا محمود بن غيلان، حدثنا النضر، حدثنا شعبة، عن موسى بن أنس، عن أنس بن مالك ، قال: بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أصحابه شيء، فخطب فقال: عرضت علي الجنة والنار، فلم أر كاليوم في الخير والشر، ولو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا، ولبكيتم كثيرا قال: فما أتى على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أشد منه، قال: غطوا رءوسهم، ولهم خنين، فقام عمر بن الخطاب، فقال: يا رسول الله، رضينا بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد نبيا، فقام ذلك الرجل فقال: من أبي؟ فقال: أبوك فلان قال: فنزلت {يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم} [المائدة: 101]

سنن الدارمي (3/ 1798) 2777 - حدثنا أبو الوليد، حدثنا شعبة، عن موسى بن أنس، عن أنس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لو تعلمون ما أعلم، لضحكتم قليلا، ولبكيتم كثيرا

صحيح البخاري (6/ 54) :

4621 - حدثنا منذر بن الوليد بن عبد الرحمن الجارودي، حدثنا أبي، حدثنا شعبة، عن موسى بن أنس، عن أنس رضي الله عنه قال: خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم خطبة ما سمعت مثلها قط، قال: لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا، قال: فغطى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وجوههم لهم خنين، فقال رجل: من أبي؟ قال: فلان، فنزلت هذه الآية: {لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم} رواه النضر، وروح بن عبادة، عن شعبة.

أحاديث ذات صلة