سَأَلْتُ أبِي: {قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا} [الكهف: 103]، هُمُ الحَرُورِيَّةُ؟ قالَ: لا، هُمُ اليَهُودُ والنَّصَارَى؛ أمَّا اليَهُودُ فَكَذَّبُوا مُحَمَّدًا صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وأَمَّا النَّصَارَى فَكَفَرُوا بالجَنَّةِ وقالوا: لا طَعَامَ فِيهَا ولَا شَرَابَ، والحَرُورِيَّةُ الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ، وكانَ سَعْدٌ يُسَمِّيهِمُ الفَاسِقِينَ.

الدلالات الموضوعية:# تفسير آيات - سورة الكهف# اعتصام بالسنة - الخوارج والمارقين# تفسير آيات - سورة البقرة# جنة - طعام أهل الجنة وشرابهم
المصدر: صحيح البخاري
الراوي: مصعب بن سعد
المحدث: البخاري
الحكم:[صحيح]

بيانات التخريج:

أخرجه النسائي في ((الكبرى)) (11251)، وابن أبي شيبة (39080)، وابن الحداد في ((جامع الصحيحين)) (2792) باختلاف يسير.

الشرح والتوضيح

الحَرُوريَّةُ فِرقةٌ مِنَ الخوارجِ، وهمْ مِن أشدِّ الفِرقِ المبتَدِعةِ الَّتي ابْتَلَى اللهُ بهم أهْلَ الإسلامِ، ويُنسَبون إلى قريةٍ كانت بقُربِ الكُوفةِ تُسَمَّى حروراءَ، منها خرجوا على عليِّ بنِ أبي طالبٍ رَضِيَ اللهُ عنه، وهم يُكفِّرونَ المسلمينَ ولا يَتورَّعونَ عَن دمائِهم، مع أنَّهم يَجتهِدونَ في العبادةِ والصَّلاةِ والصِّيامِ! وفي هذا الحديثِ ظنَّ التابعيُّ مُصْعَبُ بنُ سعدِ بنِ أبي وقَّاصٍ أنَّهم همُ الأَخسرونَ أعمالًا الَّذين أنْبَأَ عنهمُ اللهُ تعالَى في قولِه: {قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا} [الكهف: 103- 104] ، ولكِنْ بيَّن له أبوهُ سَعدُ بنُ أبي وقَّاصٍ رضِيَ اللهُ عنه أنَّ المرادَ بالأخسرين أعمالًا في هذه الآيةِ: اليهودُ والنَّصارى، فأمَّا اليهودُ فكذَّبوا محمَّدًا صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وأمَّا النَّصارى فكَفَروا بِالجنَّةِ وقالوا: لا طعامَ فيها ولا شرابَ.

ولا شكَّ أنَّ كُفرَ النَّصارى وضَلالهَم مِن وُجوهٍ كثيرةٍ غيرِ إنكارِهم الجنَّةَ، وهمْ كاليهودِ مُكذِّبونَ بنُبوَّةِ نبيِّنا صلَّى اللهُ عليه وسلَّم.

ووَجهُ خُسرانِهم أَّنهم تعَبَّدوا على غيرِ أصلٍ؛ فابتدعوا فخَسِروا الأعمارَ والأعمالَ، وقد كان أوائِلُهم على حَقٍّ، فأشركوا بربهم وابتدعوا في دينِهم.

وقيل: إن المرادَ بالأخسَرينَ أعمالًا هم الصَّابِئون.

وقيل: هم المنافِقون بأعمالِهم المخالِفون باعتقادِهم.

وهذه الأقوالُ كُلُّها تقتضي التخصيصَ بغَيرِ مخصِّصٍ، والذي يقتضيه التحقيقُ أنها عامَّةٌ، ولا تخُصُّ طائفةً بعَيْنِها؛ فأمَّا القَولُ بأنهم الحروريَّةُ فمعناه أنَّ الآيةَ تَشمَلُهم كما تشمَلُ أهلَ الكِتابَينِ -اليَهودَ والنصارى- وغيرَهم، لا أنها نزلت في هؤلاء على الخُصوصِ، بل أعَمُّ من ذلك؛ لأنَّها مَكِّيَّةٌ قبل خِطابِ أهلِ الكِتابِ ووُجودِ الحَروريَّةِ.

فالآيةُ عامَّةٌ في كلِّ من دان بدينٍ غيرِ الإسلامِ، وكُلِّ من راءى بعَمَلِه، أو أقام على بدعةٍ؛ فكان من الأخسَرينَ الذين كانت خَسارتُهم في عَمَلِهم أضعافَ خسارةِ غَيرِهم؛ وذلك أنَّهم أتعَبوا أنفُسَهم في عَمَلٍ يرجون به فضلًا وثوابًا، فنالوا هلاكًا وعِقابًا.

ثُمَّ ذَكَرَ سَعدُ بنُ أبي وقَّاصٍ رضِيَ اللهُ عنه أنَّ الخوارجَ همُ الَّذين قال تعالَى فيهم: {الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ} [البقرة: 27] ؛ وذلك لأنَّهم خالَفُوا عهْدَ اللهِ إليهم في القُرآنِ مِن طاعةِ أُولي الأمْرِ بعْدَ إقرارِهم به، فكان ذلك نقْضًا منهم له، وكان سَعدُ بنُ أبي وقَّاصٍ رضِي اللهُ عنه يُسمِّي الخوارجَ: الفاسقِينَ.

الأصول والأحكام

صحيح البخاري (6/ 93) 4728 - حدثني محمد بن بشار، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن عمرو بن مرة، عن مصعب بن سعد، قال: سألت أبي : {قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا} [[الكهف: 103]]: هم الحرورية؟ قال: " لا هم اليهود والنصارى، أما اليهود فكذبوا محمدا صلى الله عليه وسلم، وأما النصارى فكفروا بالجنة وقالوا: لا طعام فيها ولا شراب، والحرورية الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه "، وكان سعد يسميهم الفاسقين

السنن الكبرى للنسائي (10/ 166) 11251 - أخبرنا محمد بن إسماعيل بن إبراهيم، حدثنا يزيد، حدثنا شعبة، عن عمرو بن مرة، عن مصعب بن سعد، قال: سأل رجل أبي عن هذه الآية {قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا} [[الكهف: 103]] أهم الحرورية؟ قال: لا هم أهل الكتاب، أما اليهود فكفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم، وأما النصارى فكفروا بالجنة قالوا: ليس فيها طعام ولا شراب، ولكن الحرورية الذين قال الله عز وجل: {ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض} [[البقرة: 27]] إلى الفاسقين.

قال يزيد: هكذا حفظت، كان سعد يسميهم الفاسقين

مصنف ابن أبي شيبة ت عوامة ط القبلة (21/ 451) 39080- حدثنا غندر، عن شعبة، عن عمرو بن مرة، عن مصعب بن سعد، قال: سألت أبي عن هذه الآية: {قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا} أهم الحرورية؟ قال: لا، هم أهل الكتاب اليهود والنصارى، أما اليهود فكذبوا بمحمد صلى الله عليه وسلم, وأما النصارى فكفروا بالجنة وقالوا: ليس فيها طعام ولا شراب، ولكن الحرورية: {الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض أولئك هم الخاسرون} وكان سعد يسميهم الفاسقين.

جامع الصحيحين لابن الحداد (3/ 492) 2792 - (خ) - حدثنا محمد بن عبد الله المحمي وغيره، قالا: ثنا الحيري، قال: ثنا الأصم، قال: ثنا الصغاني، قال: ثنا يحيى بن أبي بكير، قال: قال شعبة: عن عمرو بن مرة: عن مصعب بن سعد قال: كنت أمسك على أبي المصحف، فمر على هذه الآية: {قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا.

الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا}، قلت أهم الحرورية؟ قال: لا، هم أهل الكتاب اليهود والنصارى؛ أما اليهود: فكفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم، وأما النصارى: فكفروا بالجنة، وقالوا: ليس فيها طعام ولا شراب، ولكن الحرورية: {الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض أولئك هم الخاسرون}، قال: فكان سعد يسميهم: الفاسقين.

أحاديث ذات صلة