- عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عنْهمَا: صَارَتِ الأوْثَانُ الَّتي كَانَتْ في قَوْمِ نُوحٍ في العَرَبِ بَعْدُ؛ أمَّا وَدٌّ كَانَتْ لِكَلْبٍ بدَوْمَةِ الجَنْدَلِ، وأَمَّا سُوَاعٌ كَانَتْ لِهُذَيْلٍ، وأَمَّا يَغُوثُ فَكَانَتْ لِمُرَادٍ، ثُمَّ لِبَنِي غُطَيْفٍ بالجَوْفِ عِنْدَ سَبَأٍ، وأَمَّا يَعُوقُ فَكَانَتْ لِهَمْدَانَ، وأَمَّا نَسْرٌ فَكَانَتْ لِحِمْيَرَ لِآلِ ذِي الكَلَاعِ، أسْمَاءُ رِجَالٍ صَالِحِينَ مِن قَوْمِ نُوحٍ، فَلَمَّا هَلَكُوا أوْحَى الشَّيْطَانُ إلى قَوْمِهِمْ: أنِ انْصِبُوا إلى مَجَالِسِهِمُ الَّتي كَانُوا يَجْلِسُونَ أنْصَابًا ، وسَمُّوهَا بأَسْمَائِهِمْ، فَفَعَلُوا، فَلَمْ تُعْبَدْ، حتَّى إذَا هَلَكَ أُولَئِكَ وتَنَسَّخَ العِلْمُ عُبِدَتْ.
أخرجه الفاكهي في ((أخبار مكة)) (71)، وابن الحداد في ((جامع الصحيحين)) (2887) واللفظ لهما، وعبد الرزاق في ((تفسيره)) (3341) بنحوه.
الغُلُوُّ في الصَّالِحين بالمُبالَغةِ في مَدحِهم، أو بتَصويرِهم ونَصْبِ الصُّوَرِ والتَّماثيلِ لأشخاصِهم، أو بتَشييدِ القُبورِ والأضرِحةِ عليهم بعْدَ مَوتِهم، وغيرِ ذلك؛ هذا كلُّه مَنهيٌّ عنه؛ لأنَّه وَسيلةٌ تُوصِلُ للشِّركِ باللهِ تعالَى.
وفي هذا الحَديثِ يُخبِرُ عبدُ اللهِ بنُ عبَّاسٍ رضِي اللهُ عنهما عن بَدءِ التحَوُّلِ من التوحيدِ إلى الشِّركِ وعِبادةِ الأوثانِ، ووصولِ عِبادةِ الأصنامِ للعَرَبِ؛ فيَذكُرُ رَضِيَ اللهُ عنه أنَّ الأوثانَ التي عبدها قومُ نبيِّ اللهِ نوحٍ عليه السَّلامُ في القِدَمِ وأُهلِكوا بسَبَبِها، قد انتقَلَت إلى العَرَبِ فيما بعْدُ وعَبَدوها.
و(الأوثانُ) جمعُ وَثَنٍ، وهو: كالصَّنمِ، وقيل: كالنُّصُبِ، والصَّنمُ هو ما كان له صورةٌ، والنُّصُبُ: ما كان مِنَ الحَجَرِ أو غيرِه وليس له صورةٌ.
وقد ذكر اللهُ عزَّ وجَلَّ أسماءَ هذه الأوثانِ في كتابِه العزيزِ في قَولِه تعالى: {وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا} [نوح: 23] .
ويُبَيِّنُ ابنُ عبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهما مَوضِعَ هذه الأوثانِ التي استقَرَّت فيه في بلادِ العَرَبِ، فكان وَدٌّ لقَبيلةِ كَلبٍ بدَومةِ الجَندلِ، وهي مدينةٌ بالقُرْبِ مِن تَبُوكَ، شَمالِيَّ الممْلكةِ العَربيَّةِ السُّعوديَّةِ قُرْبَ جَبلِ طيِّئٍ شَمالَ مدينةِ تيماء، وتبعُدُ عنها 450 كيلومترًا.
وأمَّا سُواعٌ فكان لقَبيلةِ هُذَيلٍ المُضَرِيَّةِ، وقد ظَلَّ هذا الوَثَنُ مَنصوبًا تَعبُدهُ هُذيلٌ وتُعَظِّمُهُ وكانوا يَحُجُّون إليه حتَّى فُتِحَتْ مكَّةُ ودخَلَت هُذيلٌ فيمَن دخَل في دِينِ اللهِ أفواجًا، وكان مَوضِعُه بِرُهاطٍ على قُرابةِ 150 كيلومترًا شمالَ شَرقيِّ مكَّةَ، وقد بعَثَ رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عَمرَو بنَ العاصِ إلى سُواعٍ فهدمه، وكان هذا في رمضانَ مِن العامِ الثَّامِنِ مِنَ الهِجرةِ.
وأمَّا يَغُوثُ فكان لِقَبيلةِ مُرادٍ، ثُمَّ لِقبيلةِ بني غُطيفٍ مِن بعْدِهم، وكانوا بِالجَوْفِ، وهو اسمُ وادٍ في اليمنِ، وأمَّا يَعُوقُ فكانَ لِقَبيلةِ هَمْدانَ، وأمَّا نَسْرٌ فكان لقَبيلةِ حِميرَ لآلِ ذي الكَلاعِ.
ويُخبِرُ ابنُ عبَّاسٍ رضِي اللهُ عنهما عن التدرُّجِ الذي ظهَرَت به عبادةُ الأصنامِ مع قومِ نوحٍ عليه السَّلامُ بعْد أن كان فيهم التوحيدُ الخالِصُ للهِ عزَّ وجلَّ، فيُبَيِّنُ أنَّ ذلك حَدَث بسَبَبِ غُلُوِّهم في رِجالِهم الصَّالحينَ؛ فإنَّهم بعدَ أنْ ماتوا سوَّلَ لهمُ الشَّيطانُ أنْ يَصنعوا لهمُ أصنامًا، وأن يُسَمُّوها بأسمائِهم، ويُقيموها في مجالِسِهم التي كانوا يَجلِسون فيها؛ تخليدًا لذِكْراهم واعترافًا بفَضلِهم، وظلَّتْ هذه الأوثانُ والأنصابُ قائِمةً، فلمَّا ماتَ هؤلاء القومُ وتعاقبَتْ ذرِّيَّاتُهم، وزالَ العِلمُ وارتفعَ، فلم يَعُدِ النَّاسُ يَعرِفون ما أَصْلُ هذه الأوثانِ، حتى جاء مِن ذرِّيَّاتِهم مَن ظَنَّ أنَّ تلك الأوثانَ تُعبَدُ مِن دونِ اللهِ، فعُبِدَت مِن دونِ اللهِ عزَّ وجلَّ.
صحيح البخاري (6/ 160) 4920 - حدثنا إبراهيم بن موسى، أخبرنا هشام، عن ابن جريج، وقال عطاء: عن ابن عباس رضي الله عنهما، صارت الأوثان التي كانت في قوم نوح في العرب بعد أما ود كانت لكلب بدومة الجندل، وأما سواع كانت لهذيل، وأما يغوث فكانت لمراد، ثم لبني غطيف بالجوف، عند سبإ، وأما يعوق فكانت لهمدان، وأما نسر فكانت لحمير لآل ذي الكلاع، أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم، أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون أنصابا وسموها بأسمائهم، ففعلوا، فلم تعبد، حتى إذا هلك أولئك وتنسخ العلم عبدت
أخبار مكة للفاكهي (5/ 141) 71 - عن محمد بن ثور عن ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس رضي الله عنهما قال صارت الأوثان التي كانت في قوم نوح في العرب بعد أما ود فكانت لكلب بدومة الجندل وأما سواغ فكانت لهذيل وأما بن يغوث فكانت لمراد ثم بنى غطيف بالجرف عند سبأ وأما يعوق فكانت لهمدان وأما نسر فكانت لحمير لآل ذي كلاع أسماء رجال صالحين من قوم نوح فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون أنصابا وسموها بأسمائهم ففعلوا فلم تعبد حتى إذا هلك أولئك وتنسخ العلم عبدت
جامع الصحيحين لابن الحداد (3/ 552) 2887 - (خ) - حدثنا سليمان، قال: ثنا زيد بن عبد العزيز، قال: ثنا الحسين بن محمد، قال: ثنا ابن أخي أبي زرعة، قال: ثنا عمي، قال: ثنا إبراهيم بن موسى، قال: أنا هشام بن يوسف، عن ابن جريج، عن عطاء: عن ابن عباس قال: صارت الأوثان التي كانت في قوم نوح في العرب بعد؛ أما ود: فكانت لكلب بدومة الجندل، وأما سواع، فكانت لهذيل، وأما يغوث، فكانت لمراد، ثم لبني غطيف بالجرف عند سبأ، وأما يعوق: فكانت لهمدان، وأما نسر: فكانت لحمير لآل ذي الكلاع، وقال: أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم: أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون أنصابا، وسموها بأسمائهم، ففعلوا، فلم تعبد، حتى إذا هلك الذين عندهم العلم عبدت.
تفسير عبد الرزاق (3/ 349) 3341- عن ابن جريج , عن عطاء الخراساني , عن ابن عباس , مثله إلا أنه قال: صارت الأوثان التي كانت في قوم نوح في العرب ثم ذكر مثل حديث قتادة [[ثم كانت العرب تعبدها بعد فكان ودا لكليب بدومة الجندل , وكان سواع لهذيل , وكان يغوث لبني غطيف من مراد بالجرف , وكان يعوق لهمدان , وكان نسر لذي الكلاع من حمير]].