قَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عنْه يَوْمًا لأصْحَابِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: فِيمَ تَرَوْنَ هذِه الآيَةَ نَزَلَتْ: {أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ} [البقرة: 266]؟ قالوا: اللَّهُ أعْلَمُ، فَغَضِبَ عُمَرُ فَقَالَ: قُولوا: نَعْلَمُ أوْ لا نَعْلَمُ، فَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: في نَفْسِي منها شَيءٌ يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ، قَالَ عُمَرُ: يا ابْنَ أخِي، قُلْ ولَا تَحْقِرْ نَفْسَكَ، قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: ضُرِبَتْ مَثَلًا لِعَمَلٍ، قَالَ عُمَرُ: أيُّ عَمَلٍ؟ قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: لِعَمَلٍ، قَالَ عُمَرُ: لِرَجُلٍ غَنِيٍّ يَعْمَلُ بطَاعَةِ اللَّهِ عزَّ وجلَّ، ثُمَّ بَعَثَ اللَّهُ له الشَّيْطَانَ، فَعَمِلَ بالمعاصِي حتَّى أغْرَقَ أعْمَالَهُ.

الدلالات الموضوعية:# مناقب وفضائل - عبد الله بن عباس# قرآن - أسباب النزول# رقائق وزهد - عقوبات الذنوب# علم - سعة العلم# تفسير آيات - سورة البقرة
المصدر: صحيح البخاري
الراوي: عبيد بن عمير
المحدث: البخاري
الحكم:[صحيح]

بيانات التخريج:

أخرجه الحاكم (3120)، وابن المبارك في ((الزهد)) (1568) باختلاف يسير، وأبو داود في ((الزهد)) (81) بنحوه.

الشرح والتوضيح

ضَرَبَ اللهُ الأمثالَ لِلنَّاسِ في كِتابِه العزيزِ؛ لإعمالِ الفِكرِ، وبَيانِ المرادِ بصُورةٍ يُدرِكُها كلُّ أحدٍ.

وفي هذا الحديثِ بَيانٌ لمَثَلٍ مِنَ الأمثالِ الَّتي ذُكِرَتْ في القُرآنِ الكريمِ، وهو الوارِدُ في قَولِه تعالَى: {أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ} [البقرة: 266] ، والآيةُ تُصوِّرُ رجُلًا كانتْ له جَنَّةٌ مُثْمرةٌ مِن نَخيلٍ وأعنابٍ، وقدْ كَبِرَ هذا الرَّجُلُ في السِّنِّ، وكان أولادُه صِغارًا لا قُدرةَ لهم على الكَسبِ، فأصابَ هذه الجنَّةَ رِيحٌ عاصفةٌ فيها نارٌ، فاحْتَرَقَت الجنَّةُ، ففَقدَها وهو أحوجُ ما يكونُ إليها؛ فالفاقةُ في الشَّيخوخةِ أصْعبُ، وفي هذا الحديثِ تَفسيرٌ لهذا المثلِ؛ فقدْ سألَ عُمرُ بنُ الخطَّابِ رضِي اللهُ عنه أصحابَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ما مَقصِدُ الآيةِ؟ وفي أيِّ شَيءٍ تَظنُّونَها ضُرِبَتْ؟ فقالوا: اللهُ أعلَمُ، فغَضِبَ عُمرُ رضِيَ اللهُ عنه مِن ردِّهم، وقال لهم: قولوا: نَعلَمُ، أو: لا نعلمُ، وإنَّما غضِبَ عُمرُ رضِي اللهُ عنه؛ لأنَّ إجابتَهم كانتْ تَحتمِلُ مَعرفتَهم أو عدمَ مَعرفتِهم، فهي تَصلُحُ للعالمِ بالجَوابِ والجاهِلِ به، فأراد منْهم تَبيينَ مُرادِهم.

فأجابَ ابنُ عبَّاسٍ رضِي اللهُ عنهما، وقال: يا أميرَ المؤمنينَ، في نفْسي منها شَيءٌ، أي: مِنَ العلمِ.

فقال له عُمرُ رضِي اللهُ عنه: يا ابْنَ أخي، قُلْ ولا تَحقِرْ نفْسَكَ، وذلك أنَّ ابنَ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهما كان من صِغارِ الصَّحابةِ، فقال ابنُ عبَّاسٍ رضِي اللهُ عنهما: لِعملٍ، فقال له عُمرُ: أيُّ عَملٍ؟ ثمَّ بيَّنَ عُمرُ رضِيَ اللهُ عنه هذا العَملَ، فقال: لِرجلٍ غَنيٍّ يَعمَلُ بطاعةِ اللهِ عزَّ وجلَّ، ثُمَّ بعَثَ اللهُ له الشَّيطانَ، فعَمِلَ بِالمعاصي حتَّى أغرَقَ أعمالَه، أي: أضاعَ أعمالَه الصَّالحةَ بما ارتكبَ مِنَ المعاصِي، واحتاجَ إلى شَيءٍ مِنَ الطَّاعاتِ في أهمِّ أحوالِه، فلمْ يَحصُلْ له منها شَيءٌ، وخانَه أحْوَجَ ما كان إليه.

وفي الحَديثِ: قوَّةُ فَهْمِ ابنِ عبَّاسٍ رضِي اللهُ عنهما وقُرْبُ مَنزلتِه مِن عُمرَ رضِي اللهُ عنه، وتَقديمُه له مِن صِغرِه، وتَحريضُ العالِمِ تِلميذَه على القولِ بحَضرةِ مَن هو أسنُّ منه إذا عرَفَ فيه الأهليَّةَ.

وفيه: أنَّه إذا كان الرَّجلُ ذا لُبٍّ وفِقهٍ فإنَّه لا يَنْبغي له أنْ يَحقِرَ نفْسَه.

وفيه: إلْقاءُ العالِمِ المسائلَ على المُتعلِّمين؛ ليَختبِرَ أفهامَهم.

الأصول والأحكام

[صحيح البخاري] (6/ 31) 4538 - حدثنا إبراهيم، أخبرنا هشام، عن ابن جريج، سمعت عبد الله بن أبي مليكة، يحدث عن ابن عباس، قال: وسمعت أخاه أبا بكر بن أبي مليكة، يحدث عن عبيد بن عمير، قال: قال عمر رضي الله عنه، يوما لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: فيم ترون هذه الآية نزلت: {أيود أحدكم أن تكون له جنة} [البقرة: 266]؟ قالوا: الله أعلم، فغضب عمر فقال: قولوا نعلم أو لا نعلم، فقال ابن عباس: في نفسي منها شيء يا أمير المؤمنين، قال عمر: يا ابن أخي قل ولا تحقر نفسك، قال ابن عباس: ضربت مثلا لعمل، قال عمر: أي عمل؟ قال ابن عباس: لعمل، قال عمر: لرجل غني يعمل بطاعة الله عز وجل، ثم بعث الله له الشيطان، فعمل بالمعاصي حتى أغرق أعماله

المستدرك على الصحيحين للحاكم (2/ 311) 3120 - حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، ثنا محمد بن إسحاق الصغاني، ثنا حجاج بن محمد، عن ابن جريج، سمعت ابن أبي مليكة، يخبر عن عبيد بن عمير، أنه سمعه يقول: سأل عمر أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، قال: " ففيم ترون أنزلت: {أيود أحدكم أن تكون له جنة} [البقرة: 266] ؟ " فقالوا: الله أعلم.

فغضب، فقال: " قولوا: نعلم أو لا نعلم ".

فقال ابن عباس: في نفسي منها شيء يا أمير المؤمنين.

فقال عمر: قل يا ابن أخي، ولا تحقر نفسك .

قال ابن عباس: ضربت مثلا لعمل.

فقال عمر: أي عمل؟ فقال: لعمل، فقال عمر: رجل غني يعمل الحسنات، ثم بعث الله له الشياطين، فعمل بالمعاصي، حتى أغرق أعماله كلها هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه "

الزهد والرقائق لابن المبارك ت الأعظمي (1/ 546) 1568- أخبرنا ابن المبارك، قراءة عن ابن جريج, قال: سمعت أبا بكر بن أبي مليكة يحدث، عن عبيد بن عمير، أنه سمعه يقول: سأل عمر بن الخطاب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال: فيما ترون أنزلت: {أيود أحدكم أن تكون له جنة من نخيل وأعناب}؟ فقالوا: الله أعلم، فغضب عمر، وقال: قولوا: نعلم، أو لا نعلم, فقال ابن عباس: إن في نفسي منها شيئا يا أمير المؤمنين, فقال عمر: قل يا ابن أخي, ولا تحقر نفسك, فقال ابن عباس: ضربت مثلا لعمل، فقال عمر: أي عمل؟ فقال: لعمل، فقال عمر: رجل عني بعمل الحسنات, ثم بعث إليه شيطان, فعمل بالمعاصي حتى أغرق أعماله كلها.

وسمعت عبد الله بن أبي مليكة يحدث نحو هذا عن ابن عباس، سمعه منه.

الزهد لأبي داود (ص: 96) 81 - حدثنا أبو داود قال: نا الحسن بن محمد، قال: نا حجاج، عن ابن جريح، قال: سمعت أبا بكر بن أبي مليكة، يخبر عن عبيد بن عمير، أنه سمعه يقول: سأل عمر بن الخطاب أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال: فيما ترون هذه الآية نزلت {أيود أحدكم أن تكون له جنة من نخيل وأعناب} [البقرة: 266] ؟ فقالوا: الله أعلم، فغضب عمر، فقال ابن عباس: في نفسي منها شيء يا أمير المؤمنين.

فقال: قل يا ابن أخي ولا تحقر نفسك.

فقال ابن عباس: ضرب الله مثلا للعمل.

فقال عمر: لأي عمل؟ .

فقال عمر: لأي عمل؟ قال: لعمل.

قال عمر: لرجل يعمل الحسنات ثم بعث الله الشيطان فعمل بالمعاصي حتى أغرق أعماله كلها.

حدثنا أبو داود، قال: نا الحسن، قال: نا حجاج، عن ابن جريح، قال: سمعت عبدالله بن أبي مليكة، يحدث بمثل هذا عن ابن عباس، سمعه منه.

حدثنا أبو داود، محمود بن خالد، قال: نا الفريابي، عن سفيان، عن ابن جريح، عن عطاء، عن عبيد بن عمير، قال: سألهم عمر عن هذه الآية: {أيود أحدكم} [البقرة: 266] نحوه

أحاديث ذات صلة