-  قُلتُ لِجَابِرِ بنِ زَيْدٍ: يَزْعُمُونَ أنَّ رَسولَ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم نَهَى عن حُمُرِ الأهْلِيَّةِ، فَقَالَ: قدْ كانَ يقولُ ذَاكَ الحَكَمُ بنُ عَمْرٍو الغِفَارِيُّ عِنْدَنَا بالبَصْرَةِ، ولَكِنْ أبَى ذَاكَ البَحْرُ ابنُ عَبَّاسٍ ، وقَرَأَ: {قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا} [الأنعام: 145].

الدلالات الموضوعية:# تفسير آيات - سورة الأنعام# أطعمة - أكل اللحم# أطعمة - أكل الحمر الأهلية# أطعمة - ما يحرم من الأطعمة
المصدر: صحيح البخاري
الراوي: الحكم بن عمرو الغفاري
المحدث: البخاري
الحكم:[صحيح]

بيانات التخريج:

أخرجه أحمد (17861)، والحميدي (882 )، والطحاوي في ((شرح مشكل الآثار)) (3485)، والطبراني (3164) (3 / 212) جميعًا بلفظه دون قوله: ((عندنا بالبصرة))، وأخرجه أبو داود (3808 ) بمعناه دون ذكر الآية .أخرجه أحمد (17861)، والحميدي (882 )، والطحاوي في ((شرح مشكل الآثار)) (3485)، والطبراني (3164) (3 / 212) جميعًا بلفظه دون قوله: ((عندنا بالبصرة))، وأخرجه أبو داود (3808 ) بمعناه دون ذكر الآية .

الشرح والتوضيح

أحلَّ اللهُ عزَّ وجَلَّ لعبادِه الطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزقِ، وحرَّم عليهم الخبائِثَ، وشأنُ التحليلِ والتحريمِ مَوكولٌ إلى اللهِ عزَّ وجَلَّ ورسولِه، وقد اختلف الصَّحابةُ الكِرامُ في بَعضِ الأحكامِ لأسبابٍ عِدَّةٍ، وشأنُ الفقيهِ أن يتتَبَّعَ كُلَّ ما ورد في المسألةِ حتى يَقِفَ على الحُكمِ الصَّحيحِ عن اللهِ عزَّ وجَلَّ ورَسولِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم.

وفي هذا الحَديثِ يحكي التابعيُّ عمرُو بنُ دِينارٍ أنَّه ذكر لجابرِ بنِ زَيْدٍ -وهو أحدُ التَّابعين- أنَّ بَعضَ النَّاس يَزْعمونَ أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم نَهى عن لحومِ الحُمُرِ الأَهْليَّةِ، والزَّعمُ يدُلُّ على الشَّكِّ والتَّردُّدِ في الأمرِ: هلْ هوَ حَرامٌ أمْ حلالٌ؟ والحُمُرُ الأَهْليَّة: هي التي يَستخدِمُها النَّاسُ في حاجتِهم لها في رُكُوبٍ أو حَمْلِ أمتعةٍ، فَقالَ جابرُ بنُ زَيْدٍ: «قدْ كانَ يَقولُ ذاكَ» أي: تحريمَ لحومِ الحُمُرِ الأهليَّةِ، الصَّحابيُّ «الحَكَمُ بنُ عَمْرٍو الغِفَارِيُّ عِنْدَنا بِالبَصْرَةِ»، ولكِنْ أَبَى ذاكَ البَحْرُ ابنُ عبَّاسٍ وقرأَ: {قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ} [الأنعام: 145] ، يعني: رَفَض ابنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهما القَولَ بتحريمِ لُحومِ الحُمُرِ الأهلِيَّةِ، واستدَلَّ بالآيةِ المذكورةِ، فلا يَحرُمُ شَيءٌ إلَّا ما حرَّمهُ اللهُ أو رَسولُهُ بِالوَحْيِ، وقولُه: «البَحْرُ» صِفةٌ لابنِ عبَّاسٍ؛ لبَيانِ سَعَةِ عِلْمِه وفِقْهِه عن رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وأنَّ قولَه مُقدَّمٌ.

ومعنى الآية: يَأمُرُ اللهُ نبيَّه محمَّدًا صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أن يقولَ للمُشركينَ الَّذين حَرَّموا ما رَزَقَهم اللهُ تعالَى افتراءً عليه: إنَّه لا يجِدُ فيما أَوْحاه اللهُ تعالى إليه شَيئًا مُحَرَّمًا أَكْلُه -مِمَّا زَعَمُوا أنَّ اللهَ حَرَّمَه- إلَّا أنْ يكونَ مَيْتةً أو دمًا مَسفوحًا، أو لَحْمَ خِنْزيرٍ؛ فإنَّ هذه الأشياءَ الثَّلاثةَ خَبَث ونَجَسٌ مُستَقْذَرٌ، وإلَّا أنْ يَكونَ مِمَّا ذُبِحَ لغَيرِ الله؛ فإنَّه خُروجٌ عن طاعَةِ اللهِ إلى مَعْصِيَته والكُفْرِ به، فمَنْ أَلْجَأَتْه الضَّرورةُ لأكْلِ إحدى هذه المُحَرَّماتِ، وهو غيرُ مُريدٍ لِأكْلِها تلذُّذًا مِن غَيرِ اضْطرارٍ، ولا مُتجاوِزٍ ما أباحَه اللهُ منها؛ فهذا لا حَرَجَ عليه في الأكْلِ منها؛ فإنَّ اللهَ غفورٌ رحيمٌ.

وظاهِرُ هذه الآيةِ الكريمةِ يقتضي أنَّه ليس هناك محرَّمٌ مِنَ المطعوماتِ سِوى هذه الأربعةِ، لكِنَّا نَعلَمُ في الشَّرعِ أنَّ هناك مطعوماتٍ أُخرى قد حَرَّم على المسلِمِ تناوُلَها، وعليه فالحَصرُ هنا غيرُ مقصودٍ.

وفي الصَّحيحَينِ عنِ ابنِ عبَّاسٍ رضيَ الله عنْهُما، أنه قال: «لا أَدْري أَنَهى عنْهُ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مِنْ أَجلِ أنَّه كانَ حَمُولَةَ النَّاسِ فكَرِهَ أن تَذْهبَ حَمولَتُهُم, أو حرَّمَهُ في يومِ خَيبرَ لَحْمَ الحُمُرِ الأَهْلِيَّةِ»، وفي هذا بَيانُ أنَّ الشَّكَّ والتَّردُّدَ في التَّحريمِ كان قائمًا عندَ ابن عبَّاسٍ رضِيَ اللهُ عنهما، وقد ذُكِر تَحريمُها في أكثَرَ مِن حَديثٍ، كما في الصَّحيحَينِ عنْ أبي ثَعْلبةَ رضيَ اللهُ عنهُ قالَ: «حرَّمَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لحومَ الحُمُرِ الأَهليَّةِ»، وفيهما أيضًا عن أنسٍ رَضِيَ اللهُ عنه قال: «لَمَّا فتَحَ رَسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم خيبَرَ، أصَبْنا حُمُرًا خارِجًا مِنَ القريةِ، فطَبَخْنا منها، فنادى مُنادي رَسولِ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ألا إنَّ اللهَ ورَسولَه يَنهَيانِكم عنها؛ فإنَّها رِجسٌ مِن عَمَلِ الشَّيطانِ».

وفي الحَديثِ: السُّؤالُ عمَّا أشْكَلَ وما اختَلَفَ فيه أصْحابُ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم.

الأصول والأحكام

[صحيح البخاري] (7/ 96) :

5529 - حدثنا علي بن عبد الله: حدثنا سفيان قال عمرو : قلت لجابر بن زيد : يزعمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى ‌عن ‌حمر ‌الأهلية، ‌فقال: ‌قد ‌كان ‌يقول ‌ذاك ‌الحكم بن عمرو الغفاري عندنا بالبصرة، ولكن أبى ذاك البحر ابن عباس وقرأ: {قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما}.

[مسند أحمد] (29/ 404 ط الرسالة) :

17861 - حدثنا سفيان بن عيينة، قال: عمرو - يعني ابن دينار -: قلت لأبي الشعثاء: إنهم يزعمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن لحوم الحمر، قال: يا عمرو، أبى ذلك البحر، وقرأ: {قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه} [الأنعام: 145] يا عمرو: أبى ذلك البحر، قد كان يقول ذلك الحكم بن عمرو الغفاري .

يعني بقوله: أبى ذلك علينا البحر: ابن عباس.

مسند الحميدي (2/ 108) :

882 - حدثنا الحميدي قال: ثنا سفيان، قال: ثنا عمرو بن دينار ، قال: قلت لجابر بن زيد: إنهم يزعمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن لحوم الحمر الأهلية فقال: قد كان يقول ذلك عندنا الحكم بن عمرو الغفاري، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن أبى ذلك البحر يعني ابن عباس، وقرأ: {قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما} الآية

شرح مشكل الآثار (9/ 107) :

3485 - وذكر ما قد حدثنا المزني قال: حدثنا الشافعي ، عن سفيان ، عن عمرو بن دينار قال: قلت: لجابر بن زيد: " إنهم يزعمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن أكل لحوم الحمر الأهلية " فقال: " قد كان يقول ذلك عندنا الحكم بن عمرو الغفاري عن النبي صلى الله عليه وسلم ، ولكن أبى ذلك البحر - يعني: ابن عباس - وقرأ: {قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه} قال: ففي هذا الحديث ما قد دل على أن ما خرج عن ما في هذه الآية مما ذكر تحريم الله عز وجل إياه فيها حلال أكله.

فكان جوابنا في ذلك بتوفيق الله عز وجل وعونه: أن الأمر في ذلك كما ذكر بظاهر الآية ، إلا أن ابن عباس رضي الله عنه لما وقف على تحريم الله عز وجل على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم ما حرمه من ذي الناب من السباع ، ومن ذي المخلب من الطير علم أنه مستثنى مما أبيح بهذه الآية ، ولاحق بما حرم بها ، وهكذا كان من سواه ممن هو دونه ، وهو الزهري قد قال فيما حدثه به أبو إدريس ، عن أبي ثعلبة من نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن كل ذي ناب من السباع: ما سمعنا بهذا حتى دخلنا الشام أي: فسمعناه فأخذنا به.

فكان هذا مما قد كان مع ابن شهاب بالمدينة فسقط عنه علمه به ، كما قد ذكرناه عن مالك ، عن إسماعيل بن أبي حكيم بن عبيدة بن سفيان ، عن أبي هريرة ، وكان من سواهم قد وقفوا على تحريم النبي صلى الله عليه وسلم مع ذلك كل ذي مخلب من الطير ، فأخذوا بذلك ، وكانت كل فرقة منهم فيما كانت عليه من ذلك محمودة لتمسكها بكتاب الله عز وجل ، ولما أعلمها به رسول الله صلى الله عليه وسلم بما أعلمها به مما استثناه مما في كتابه مجملا.

فأما ما قاله الزهري أنه لم يسمع بنهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كل ذي ناب من السباع حتى سمعه بالشام ، فإن الذي حدث به عنه سفيان بن عيينة.

[المعجم الكبير – للطبراني] (3/ 212) :

‌3164 - حدثنا بشر بن موسى، ثنا الحميدي، ثنا سفيان، ثنا عمرو بن دينار ، قال: قلت لجابر بن زيد: إنهم يزعمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن لحوم الحمر الأهلية .

فقال: قد كان يقول عندنا الحكم بن عمرو الغفاري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم " ولكن أبى ذلك البحر - يعني ابن عباس رضي الله عنهما وقرأ: {قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما} " الآية

أحاديث ذات صلة