-  كانَ بالمَدِينَةِ يَهُودِيٌّ، وكانَ يُسْلِفُنِي في تَمْرِي إلى الجِدَادِ -وكَانَتْ لِجَابِرٍ الأرْضُ الَّتي بطَرِيقِ رُومَةَ- فَجَلَسَتْ، فَخَلَا عَامًا، فَجَاءَنِي اليَهُودِيُّ عِنْدَ الجَدَادِ ولَمْ أجُدَّ منها شيئًا، فَجَعَلْتُ أسْتَنْظِرُهُ إلى قَابِلٍ فَيَأْبَى، فَأُخْبِرَ بذلكَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فَقالَ لأصْحَابِهِ: امْشُوا نَسْتَنْظِرْ لِجَابِرٍ مِنَ اليَهُودِيِّ.

فَجَاؤُونِي في نَخْلِي، فَجَعَلَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يُكَلِّمُ اليَهُودِيَّ، فيَقولُ: أبَا القَاسِمِ، لا أُنْظِرُهُ، فَلَمَّا رَأَى النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قَامَ فَطَافَ في النَّخْلِ، ثُمَّ جَاءَهُ فَكَلَّمَهُ فأبَى، فَقُمْتُ فَجِئْتُ بقَلِيلِ رُطَبٍ، فَوَضَعْتُهُ بيْنَ يَدَيِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فأكَلَ، ثُمَّ قالَ: أيْنَ عَرِيشُكَ يا جَابِرُ؟ فأخْبَرْتُهُ، فَقالَ: افْرُشْ لي فيه، فَفَرَشْتُهُ، فَدَخَلَ فَرَقَدَ ثُمَّ اسْتَيْقَظَ، فَجِئْتُهُ بقَبْضَةٍ أُخْرَى فأكَلَ منها، ثُمَّ قَامَ فَكَلَّمَ اليَهُودِيَّ فأبَى عليه، فَقَامَ في الرِّطَابِ في النَّخْلِ الثَّانِيَةَ، ثُمَّ قالَ: يا جَابِرُ، جُدَّ واقْضِ.

فَوَقَفَ في الجَدَادِ ، فَجَدَدْتُ منها ما قَضَيْتُهُ، وفَضَلَ منه، فَخَرَجْتُ حتَّى جِئْتُ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فَبَشَّرْتُهُ، فَقالَ: أشْهَدُ أنِّي رَسولُ اللَّهِ.

الدلالات الموضوعية:# قرض - رد مثل ما استسلف# فضائل النبي وصفته ودلائل النبوة - معجزات النبي# أسماء - التكني# فضائل النبي وصفته ودلائل النبوة - بركة النبي# إيمان - أهل الكتاب وما يتعلق بهم
المصدر: صحيح البخاري
الراوي: جابر بن عبدالله
المحدث: البخاري
الحكم:[صحيح]

بيانات التخريج:

أخرجه البخاري (5443)

الشرح والتوضيح

على المُسلِمِ أنْ يَسعَى في حاجةِ أخيه المُسلِمِ، ويُؤَازِرَهُ إذا اشتدَّتْ به المصائبُ، وكان النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم المثَلَ والقُدوةَ في هذا الميدانِ.

وفي هذا الحديثِ يُخبِرُ جابرُ بنُ عبدِ اللهِ رضِيَ اللهُ عنهما أنَّه كان بالمدينةِ يَهوديٌّ يُسْلِفُه في تَمْرِه إلى الجِدادِ، أي: يُعْطيهِ أو يَبيعُ له تَمْرًا على سَبيلِ الدَّيْنِ، على أنْ يَرُدَّ له دَيْنَهُ حين حَصادِ تَمْرِه في مَوْسِمِهِ.

وكانت أرضُ جابرٍ رَضِيَ اللهُ عنه بطَريقِ رُومةَ، وهي بِئرٌ كانتْ في المدينةِ، وكان ماؤها عَذْبًا، وهي البئرُ الَّتي اشْتَراها عُثمانُ بنُ عفَّانَ رَضِيَ اللهُ عنه مِنَ اليهوديِّ، وجعَلَها سَبيلًا للنَّاسِ.

قال: «فَجَلَسَتْ»، أي: فلَمْ يُثْمِرِ النَّخْلُ ما يَكفي لِقَضاءِ الدَّينِ مِنَ التَّمْرِ، «فَخَلَا عامًا»، أي: تَأخَّرَ السَّلَفُ عَنِ القضاءِ عامًا، فجاءه اليهودي يطلب دينه في موسم الحصاد، فطلب جابر رَضِيَ اللهُ عنه منه تَأجيلَ السَّدادِ إلى العامِ المُقْبِلِ، فرَفَضَ اليَهُوديُّ، فلمَّا أُخْبِرَ بذلك النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، قال لأصحابِهِ: «امْشُوا نَستنظِرْ لجابرٍ مِنَ اليهوديِّ»، أي: نطلُبُ لجابرٍ رَضِيَ اللهُ عنه من اليهوديِّ التأجيلَ أو الإمهالَ حتى يتمكَّنَ جابرٌ من سَدادِ دَينِه.

ويحكي جابرٌ رَضِيَ اللهُ عنه أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم جاءه وبعضُ أصحابِه في نَخْلِه، فجعَلَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يُكلِّمُ اليهوديَّ ويطلُبُ منه أنْ يُؤجِّلَ دَينَ جابرٍ أو يُقلِّلَ منه؛ حتَّى يَستطيعَ سَدادَهُ، فيَقولُ اليَهوديُّ للنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: «أبا القاسمِ، لا أُنْظِرُهُ»، أي: لا أُؤَجِّلُهُ ولا أُمْهِلُهُ، وأبو القاسمِ: كُنيةُ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فلمَّا رأى النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ما يَفعَلُهُ اليهوديُّ مِن إصرارٍ على عدَمِ إنْظارِهِ دَينَ جابرٍ، قامَ فجعَل يَمشي بيْن النَّخلِ وحَوْلَهُ، ثمَّ جاء إلى اليهوديِّ مرةً أُخرى وطلَبَ منه أنْ يُؤجِّلَ دَيْنَ جابرٍ رَضِيَ اللهُ عنه، فرفَضَ اليهوديُّ.

قال جابرٌ رضِيَ اللهُ عنه: «فقُمْتُ فجِئْتُ بقَليلِ رُطَبٍ» وهو التَّمرُ الَّذي نَضِجَ واسْتَوى على نَخْلتِهِ، «فوضَعْتُهُ بيْن يَدَيِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فأكَلَ، ثمَّ قال: أين عَريشُكَ يا جابرُ؟» والعَريشُ: هو المكانُ المُظلَّلُ للرَّاحةِ في الحُقولِ، فأعلمه جابِرٌ مكانَ العَريشِ، فقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: «افْرُشْ لي فيه»، أي: بِساطًا أو ما شابَهَ، قال جابرٌ: «ففَرَشْتُهُ، فدخَلَ» النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فنامَ في ذلك العريشِ، ثمَّ استيقَظَ، فجاءهُ جابرٌ بقَبْضَةٍ أُخْرى مِنَ التَّمْرِ، فأَكَلَ منها، ثمَّ قام فكلَّمَ اليهوديَّ مرةً ثالثةً، فرفَضَ وامْتَنَعَ اليهوديُّ مِنَ تَأجيلِ الدَّينِ، وأخبر جابرٌ رَضِيَ اللهُ عنه: أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قام، فجَعَلَ يَمشي بيْن النَّخلِ الَّذي يُثْمِرُ الرُّطَبَ، ثمَّ قال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: «يا جابرُ، جُدَّ واقْضِ»، أي: اقْطَعْ للدَّائنِ مِن فُروعِ النَّخيلِ ما يَحمِلُ ثَمَرَ الرُّطَبِ، وأوْفِ لهُ حقَّهُ.

ويحكي جابرٌ رَضِيَ اللهُ عنه أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وقف «في الجِدادِ»، أي: عِنْدَ قَطْعِ فُروعِ الرُّطَبِ والتَّمْرِ مِنَ النَّخْلِ، وقطَعَ جابرٌ رَضِيَ اللهُ عنه مِنَ النَّخيلِ وتَمْرِها ما أَوْفَى به حقَّ اليهوديِّ، وبَقِيَ منه، وهذا مِن بَرَكَةِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، ومِنَ الخيرِ والمعجِزاتِ الَّتي يُجريها اللهُ على يَدَيْ نبيِّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم.

فخرَجَ جابِرٌ رَضِيَ اللهُ عنه حتَّى جاء إلى النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فبَشَّرَه بما كان مِن قَضاءٍ للدَّينِ، وما كان مِن زِيادةٍ وبقيَّةٍ في التَّمْرِ، فشَهِدَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لنَفْسِهِ بالرِّسالةِ، وأنَّه نَبيُّ اللهِ حقًّا؛ لِمَا أَجْرى اللهُ على يَدَيْهِ مِنَ المعجزةِ الظَّاهرةِ أمامَ الأَعْيُنِ؛ فالتَّمْرُ والثَّمَرُ ظاهرٌ أنَّهُ لا يَكفي لسَدادِ الدَّينِ وَحْدَهُ، فإذا باللهِ سُبحانَه وتعالى يُبارِكُ فيه ويَزيدُهُ ويُنَمِّيهِ، فَيُقْضَى به الدَّينُ ويَفيضُ منه لجابرٍ! وفي الحَديثِ: حُسْنُ مُعامَلةِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لأصحابِه ومسارَعتُه في حوائِجِهم.

الأصول والأحكام

[صحيح البخاري] (7/ 79) ‌5443- حدثنا سعيد بن أبي مريم: حدثنا أبو غسان قال: حدثني أبو حازم، عن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي ربيعة، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: ((كان بالمدينة يهودي، وكان يسلفني في تمري إلى الجداد، وكانت لجابر الأرض التي بطريق رومة، فجلست، فخلا عاما،

فجاءني اليهودي عند الجداد ولم أجد منها شيئا، فجعلت أستنظره إلى قابل فيأبى، فأخبر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال لأصحابه: امشوا نستنظر لجابر من اليهودي.

فجاؤوني في نخلي فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يكلم اليهودي فيقول: أبا القاسم، لا أنظره.

فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم قام فطاف في النخل، ثم جاءه فكلمه فأبى، فقمت فجئت بقليل رطب، فوضعته بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم فأكل، ثم قال: أين عريشك يا جابر؟ فأخبرته، فقال: افرش لي فيه.

ففرشته، فدخل فرقد، ثم استيقظ فجئته بقبضة أخرى فأكل منها، ثم قام فكلم اليهودي فأبى عليه، فقام في الرطاب في النخل الثانية، ثم قال: يا جابر، جد واقض.

فوقف في الجداد، فجددت منها ما قضيته وفضل منه، فخرجت حتى جئت النبي صلى الله عليه وسلم فبشرته، فقال: أشهد أني رسول الله)).

أحاديث ذات صلة