كُنْتُ مع رَسولِ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في سُوقٍ مِن أسْوَاقِ المَدِينَةِ، فَانْصَرَفَ فَانْصَرَفْتُ، فَقَالَ: أيْنَ لُكَعُ؟ -ثَلَاثًا- ادْعُ الحَسَنَ بنَ عَلِيٍّ.
فَقَامَ الحَسَنُ بنُ عَلِيٍّ يَمْشِي وفي عُنُقِهِ السِّخَابُ، فَقَالَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بيَدِهِ هَكَذَا، فَقَالَ الحَسَنُ بيَدِهِ هَكَذَا، فَالْتَزَمَهُ فَقَالَ: اللَّهُمَّ إنِّي أُحِبُّهُ فأحِبَّهُ، وأَحِبَّ مَن يُحِبُّهُ.
وقَالَ أبو هُرَيْرَةَ: فَما كانَ أحَدٌ أحَبَّ إلَيَّ مِنَ الحَسَنِ بنِ عَلِيٍّ بَعْدَ ما قَالَ رَسولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ما قَالَ.
أخرجه البخاري (5884) واللفظ له، ومسلم (2421)
حُبُّ آلِ بَيتِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم واجبٌ على المؤمنين، ويَختَصُّ منهم مَن حضَّ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم على حُبِّه، ودَعا بحُبِّ اللهِ تعالَى له، وحُبِّ مَن أحَبَّه، كَالحسَنِ ابنِ فاطمةَ رضِيَ اللهُ عنهما.
وفي هذا الحديثِ يُخبِرُ أبو هُرَيرةَ رضِيَ اللهُ عنه أنَّه كان مع النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في سُوقٍ مِن أسواقِ المدينةِ -وهو سوقُ بني قَينُقاعٍ، كما أفادت بذلك الروايةُ الأُخرى في الصَّحيحينِ- ثُمَّ انصرفَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم من السُّوقِ إلى بيتِ ابنتِه فاطِمةَ رَضِيَ اللهُ عنها ومعه أبو هُرَيرةَ رَضِيَ اللهُ عنه، فنادى النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فقال: «أينَ لُكَعُ؟»، ولُكَعُ كِنايةٌ عَنِ الصَّغيرِ الَّذي لا يَهْتدي لمَنطِقٍ ولا غيرِهِ، وكان يَقصِدُ الحسنَ بنَ علِيٍّ رضِي اللهُ عنهما.
قالها ثلاثًا، ثم طلبه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم باسمه فقال: «ادْعُ الحَسَنَ بنَ عَلِيٍّ».
فقامَ الحسنُ رضِيَ اللهُ عنه -وكان صغيرًا- يَمشي إلى النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم استِجابةً لِندائه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، في عُنقِه السِّخابُ، وهي قِلادةٌ مِن القَرَنْفُلِ والمِسْكِ والعُودِ ونَحوِها مِن أَخلاطِ الطِّيبِ، تُعمَلُ على هَيئةِ السُّبْحةِ وتُجعَلُ قِلادةً للصِّبيانِ والجَواري، أو هُي خَيطٌ فيهِ خَرَزٌ، سُمِّيَ سِخابًا لصَوتِ خَرَزِهِ عندَ حَركتِهِ من السَّخَبِ، وهوَ اختِلاطُ الأصواتِ.
فقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بيَدِه هكذا، أي: بَسَطَها كما هو عادةُ مَن يريد المُعانَقةَ، ففعل الحسنُ رضِيَ اللهُ عنه مثلما فعل النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، حتَّى الْتَزمَه النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وعانقَه؛ وذلك مِن الحُبِّ المُتبادَلِ بيْن النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وأحْفادِه، فدَعا له الرَّسولُ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وقال: «اللَّهمَّ إِنِّي أُحِبُّه فَأحِبَّه، وأحِبَّ مَن يُحِبُّه»، فأعلن صلَّى اللهُ عليه وسلَّم محبَّتَه للحَسَنِ، ثم سأل اللهَ عزَّ وجَلَّ أن يُحِبَّه، وأن يجعلَ جزاءَ وأجرَ من يحِبُّ الحَسَنَ أن يُحِبَّه اللهُ سُبحانَه تعالَى.
فأخبر أبو هُرَيرةَ رضِيَ اللهُ عنه أنَّه ما كانَ أحدٌ أَحَبَّ إليْه مِنَ الحَسنِ بْنِ علِيٍّ، بعْدَما سَمِعَ هذا القَولَ والدُّعاءَ مِن رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم.
فَاللَّهمَّ اجْعَلْنا مِن مُحبِّيه ومَواليه، ولا تَجعَلْنا مِن مُبغضِيه ومُعادِيه.
وفي الحَديثِ: إرشادُ الكِبارِ إلى مُلاطَفةِ الصِّغارِ؛ لإدامةِ المحبَّةِ والمودَّةِ بيْنهما.
وفيه: فَضلٌ ومَنقَبةٌ للحَسَنِ بنِ عَلِيٍّ رَضيَ اللهُ عنه.
وفيه: فَضلُ أبي هُرَيرةَ رَضِيَ اللهُ عنه بقُرْبِه من النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ومبادرتِه لِما يُحبُّه رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم.
[صحيح البخاري] (7/ 159) 5884- حدثني إسحاق بن إبراهيم الحنظلي: أخبرنا يحيى بن آدم: حدثنا ورقاء بن عمر، عن عبيد الله بن أبي يزيد، عن نافع بن جبير، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: ((كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سوق من أسواق المدينة، فانصرف فانصرفت، فقال: أين لكع؟ ثلاثا ادع الحسن بن علي، فقام الحسن بن علي يمشي وفي عنقه السخاب، فقال النبي صلى الله عليه وسلم بيده هكذا، فقال الحسن بيده هكذا فالتزمه، فقال: اللهم إني أحبه فأحبه، وأحب من يحبه.
قال أبو هريرة فما كان أحد أحب إلي من الحسن بن علي بعدما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال)).
[صحيح مسلم] (4/ 1882 ) ((57- (2421) حدثنا ابن أبي عمر.
حدثنا سفيان عن عبيد الله بن أبي يزيد، عن نافع بن جبير بن مطعم، عن أبي هريرة .
قال
خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في طائفة من النهار.
لا يكلمني ولا أكلمه.
حتى جاء سوق بني قينقاع.
ثم انصرف.
حتى أتى خباء فاطمة فقال ((أثم لكع؟ أثم لكع؟)) يعني حسنا.
فظننا أنه إنما تحبسه أمه لأن تغسله وتلبسه سخابا.
فلم يلبث أن جاء
يسعى.
حتى اعتنق كل واحد منهما صاحبه.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((اللهم! إني أحبه.
فأحبه وأحبب من يحبه))