- هَاجَرَ نَاسٌ إلى الحَبَشَةِ مِنَ المُسْلِمِينَ، وتَجَهَّزَ أبو بَكْرٍ مُهَاجِرًا، فَقالَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: علَى رِسْلِكَ ؛ فإنِّي أرْجُو أنْ يُؤْذَنَ لي، فَقالَ أبو بَكْرٍ: أوَتَرْجُوهُ بأَبِي أنْتَ؟ قالَ: نَعَمْ.
فَحَبَسَ أبو بَكْرٍ نَفْسَهُ علَى النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لِصُحْبَتِهِ، وعَلَفَ رَاحِلَتَيْنِ كَانَتَا عِنْدَهُ وَرَقَ السَّمُرِ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ.
قالَ عُرْوَةُ: قالَتْ عَائِشَةُ: فَبيْنَا نَحْنُ يَوْمًا جُلُوسٌ في بَيْتِنَا في نَحْرِ الظَّهِيرَةِ ، فَقالَ قَائِلٌ لأبِي بَكْرٍ: هذا رَسولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مُقْبِلًا مُتَقَنِّعًا.
في سَاعَةٍ لَمْ يَكُنْ يَأْتِينَا فِيهَا، قالَ أبو بَكْرٍ: فِدًا لكَ أبِي وأُمِّي، واللَّهِ إنْ جَاءَ به في هذِه السَّاعَةِ إلَّا لِأمْرٍ، فَجَاءَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فَاسْتَأْذَنَ، فأَذِنَ له فَدَخَلَ، فَقالَ حِينَ دَخَلَ لأبِي بَكْرٍ: أخْرِجْ مَن عِنْدَكَ، قالَ: إنَّما هُمْ أهْلُكَ بأَبِي أنْتَ يا رَسولَ اللَّهِ.
قالَ: فإنِّي قدْ أُذِنَ لي في الخُرُوجِ، قالَ: فَالصُّحْبَةُ بأَبِي أنْتَ وأُمِّي يا رَسولَ اللَّهِ؟ قالَ: نَعَمْ.
قالَ: فَخُذْ - بأَبِي أنْتَ يا رَسولَ اللَّهِ- إحْدَى رَاحِلَتَيَّ هَاتَيْنِ، قالَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: بالثَّمَنِ.
قالَتْ: فَجَهَّزْنَاهُما أحَثَّ الجِهَازِ؛ وضَعْنَا لهما سُفْرَةً في جِرَابٍ ، فَقَطَعَتْ أسْمَاءُ بنْتُ أبِي بَكْرٍ قِطْعَةً مِن نِطَاقِهَا، فأوْكَأَتْ به الجِرَابَ، ولِذلكَ كَانَتْ تُسَمَّى ذَاتَ النِّطَاقِ.
ثُمَّ لَحِقَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وأَبُو بَكْرٍ بغَارٍ في جَبَلٍ يُقَالُ له: ثَوْرٌ ، فَمَكُثَ فيه ثَلَاثَ لَيَالٍ، يَبِيتُ عِنْدَهُما عبدُ اللَّهِ بنُ أبِي بَكْرٍ، وهو غُلَامٌ شَابٌّ لَقِنٌ ثَقِفٌ ، فَيَرْحَلُ مِن عِندِهِما سَحَرًا، فيُصْبِحُ مع قُرَيْشٍ بمَكَّةَ كَبَائِتٍ، فلا يَسْمَعُ أمْرًا يُكَادَانِ به إلَّا وَعَاهُ ، حتَّى يَأْتِيَهُما بخَبَرِ ذلكَ حِينَ يَخْتَلِطُ الظَّلَامُ، ويَرْعَى عليهما عَامِرُ بنُ فُهَيْرَةَ مَوْلَى أبِي بَكْرٍ مِنْحَةً مِن غَنَمٍ، فيُرِيحُهَا عليْهما حِينَ تَذْهَبُ سَاعَةٌ مِنَ العِشَاءِ، فَيَبِيتَانِ في رِسْلِهِما حتَّى يَنْعِقَ بهَا عَامِرُ بنُ فُهَيْرَةَ بغَلَسٍ، يَفْعَلُ ذلكَ كُلَّ لَيْلَةٍ مِن تِلكَ اللَّيَالِي الثَّلَاثِ.
أخرجه البخاري (5470)، وأحمد (25626) واللفظ لهما، وابن خزيمة (2518) مختصرا.
كان أبو بَكرٍ الصِّدِّيقُ رَضِي اللهُ عنه مِن أكرَمِ النَّاسِ في الجاهليَّةِ والإسلامِ، وقدْ صاحَبَ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وآمَن به مُنذُ بَدْءِ الدَّعوةِ، وأنفَقَ مالَه في سَبيلِ الدَّعوةِ، وكان حاضرًا وقْتَ الشِّدَّةِ في مكَّةَ وفي الهجرةِ، وفي المدينةِ، وقدْ مدَحَ النَّبيُّ الكريمُ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فضْلَه في غيرِ مرَّةٍ.
وفي هذا الحَديثِ تَحْكي أمُّ المُؤمِنينَ عائِشةُ رَضِيَ اللهُ عنها أنَّهم لَمَّا كانوا بمكَّةَ هاجَرَ إلى الحَبَشةِ رجالٌ ونِساءٌ مِن المُسلِمينَ -وذلك قبل أن يأذَنَ اللهُ للمُسلِمين بالهِجرةِ إلى المدينةِ-، فلمَّا كانت الهِجرةُ إلى المدينةِ وتتابع المسلِمون إليها، تَجَهَّزَ أَبو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنه مُهاجِرًا إلى المدينةِ، فطلب منه رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أن يتمَهَّلَ؛ فإنَّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يرجو أن يُؤذَنَ له في الهِجرةِ؛ فيُهاجِرَا معًا.
فَقالَ أَبو بَكْرٍ رضِيَ الله عنه: «أوَتَرْجوه بأبي أنت؟!» أي: أَتَرْجو الإذْنَ في الهِجرةِ، فِداك أَبي، ولفظةُ «بأبي أنت» أو «فِداك أبي» تَقولُها العربُ للتَّعبيرِ عن حُبٍّ وبِرٍّ، وعَظِيمِ مَنزلةٍ لهذا المُفَدَّى عندَ المُفَدِّي.
فَقالَ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: «نَعَم» أَرْجوه.
فامتنع أبو بكرٍ رَضِيَ اللهُ عنه عن الهِجرةِ حينَئِذٍ وظلَّ في مكَّةَ مُنتَظِرًا النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم؛ لِصُحْبتِه، وتجهَّز أبو بكرٍ رَضِيَ اللهُ عنه للهِجرةِ مع رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم؛ فعَلَفَ راحِلتَيْنِ أرْبَعةَ أَشهُرٍ، وهي مِن الإبِلِ القَويَّةُ على الأَسْفارِ والأَحْمالِ؛ لِما فيها مِن النَّجابةِ وتَمامِ الخَلْقِ وحُسنِ المَنظَرِ، «كانَتا عِنْدَه وَرَقَ السَّمُرِ»، جمعُ سَمُرةٍ، وهو شَجَرُ الطَّلْحِ.
وتَحْكي أمُّ المُؤمِنينَ عائِشةُ رضِيَ اللهُ عنها أنَّهم بينما هم جالِسونَ يومًا في بَيْتِهم في «نَحْرِ الظَّهيرةِ» وهو وَقتُ ما تبلُغُ الشَّمسُ مُنتهاها من الارتفاعِ، قالَ قائِلٌ لِأَبي بَكْرٍ رضِيَ اللهُ عنه: «هذا رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مُقْبِلًا مُتَقَنِّعًا»، أي: مُغَطِّيًا رَأَسَه، ولم يَكُن من عادةِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أن يأتيَ أبا بكرٍ في هذا الوَقتِ، فقالَ أَبو بَكْرٍ رضِيَ اللهُ عنه: «فِدًا لكَ أبي وأُمِّي» يقصِدُ بذلك النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وأقسم أنَّه ما جاء في هَذِه السَّاعةِ إلَّا لأَمْرٍ عظيمٍ، وهذا تفطُّنٌ مِن أبي بكرٍ لحُضورِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إليه في هذا الوقت، فَجاءَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فاسْتَأْذَنَ في الدُّخولِ، فأَذِنَ لَه أَبو بَكْرٍ رضِيَ اللهُ عنه، فدَخَلَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، ولِخُطورةِ أَمْرِ الهِجرةِ على حياةِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أرادَ أنْ يَنفرِدَ بأبي بَكرٍ رضِيَ اللهُ عنه لِيُخبِرَهُ، فَقالَ حينَ دَخَلَ: «أَخْرِج مَن عِنْدَك.
قالَ أَبو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنه: إنَّما هُم أَهْلُك، بأَبِي أنْتَ يا رَسولَ اللَّهِ!»، فلا يُوجَدُ سِوى ابنتَيهِ عائِشةَ وأَسْماءَ رَضِيَ اللهُ عنهما، وكانَ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قَدْ عَقَدَ على أمِّ المُؤمِنينَ عائِشةَ رَضِيَ اللهُ عنها، فأخبره النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنَّه قَدْ أُذِنَ له في الخُروجِ مِن مَكَّةَ إلى المَدينةِ، وعلى الفَورِ طَلَب أبو بكرٍ رَضِيَ اللهُ عنه صُحْبَتَه في طريقِ الهِجرةِ، فوافقه النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم على صُحبتِه، فأراد أبو بكرٍ رَضِيَ اللهُ عنه أن يعطيَ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إحدى راحلَتَيه، وهي النَّاقةُ التي يسافَرُ عليها.
فقالَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: آخُذُها بالثَّمَنِ، أي: يشتريها بقيمتها.
قالَتْ عائِشةُ رضِيَ اللهُ عنها: «فَجَهَّزْناهما أَحَثَّ الجَهازِ»، أي: أَسْرَعَه، ووَضَعْنا لهما سُفْرةً -أي: طعامًا زادًا للسَّفَرِ- في «جِرابٍ» وهو وِعاءٌ مِن جِلْدٍ، فقَطَعَتْ أسْماءُ بِنْتُ أَبي بَكْرٍ رضِيَ اللهُ عنها قِطْعةً مِن «نِطاقِها»، وهو ثوبٌ تَلْبَسه المَرْأةُ وتَشُدُّ به وسَطَها، فشَدَّت بِه الجِرابَ؛ ولِذَلِكَ كانَتْ تُسَمَّى ذاتَ النِّطاقِ، أو ذاتَ النِّطاقَينِ؛ لأنها شَقَّت نِطاقَها، فجعلت واحِدًا لسُفرةِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، والآخَرَ لنَفْسِها.
ثُمَّ انطلق النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وأَبو بَكْرٍ رضِيَ اللهُ عنه ولَحِقَا بِغارٍ -وهو الكَهْفُ- في جَبَلٍ يُقالُ لَه: ثَوْرٌ، وهو جَبَلٌ جَنوبَ مكَّةَ المكَرَّمةِ من جهةِ اليَمَنِ.
فَمَكَثَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وأَبو بَكْرٍ رضِيَ اللهُ عنه فيه ثَلاثَ لَيالٍ، مختَفِينَ عن قُرَيشٍ؛ وذلك لأنَّ قُرَيشًا دبَّروا أمْرَهم لقَتْلِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وكان عَبْدُ اللهِ بنُ أَبي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللهُ عنهما يَبيتُ عِنْدَهما، وهو غُلامٌ شابٌّ، «لَقِنٌ» سَريعُ الفَهْمِ، «ثَقِفٌ» حاذِقٌ فَطِنٌ، فيَرحَلُ مِن عِنْدِهما سَحَرًا، أي: يعودُ مِن عندِهما إلى مكَّةَ آخِرَ اللَّيلِ، فيُصبِح معَ قُرَيْشٍ بِمَكَّةَ كَبائِتٍ مَعَهم بِمَكَّةَ، فَلا يَسمَعُ منهم أَمْرًا، «يَكادانِ» يَمكُرانِ بِه، إلَّا حَفِظَه وضَبَطَه، حتَّى يأتيَ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وأبا بكرٍ رَضِيَ اللهُ عنه بما سَمِعَ مِنهم مِن الكَيدِ الَّذي يُريدونَ فِعلَه، حينَ يَختَلِط الظَّلامُ.
ويَرْعى عليهما عامِرُ بنُ فُهَيْرةَ مَوْلى أَبي بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهما «مِنْحةً مِن غَنَمٍ»، وهي الشَّاةُ يُعْطيها الرَّجُلُ غَيْرَه ليَحلُبَها وينتَفِعَ بلَبَنِها، «فَيُريحُها» أي: يذهَبُ بها إليهما ساعةً مِن العِشاءِ، فيَبيتانِ في رِسْلِها، أي: في لَبَنِ هذه المِنْحةِ، والرِّسْلُ: هو اللَّبَنُ الطَّازَجُ.
حتَّى «يَنْعِقَ»، أي: يَصيحَ بِها عامِرُ بنُ فُهَيْرةَ بِغَلَسٍ، وهي ظُلْمةُ آخِرِ اللَّيلِ، ومعناه: أنَّه كان يرُدُّها إلى باقي غَنَمِه في ذلك الوَقتِ، يَفْعَلُ ذَلِكَ كُلَّ لَيْلةٍ مِن تِلْكَ اللَّيالي الثَّلاثِ.
وفي الحَديثِ: شِدَّةُ ما عاناه النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وأصحابُه.
وفيه: فَضيلةُ أبي بَكرٍ وأهلِه، وفَضيلةُ عامِرِ بنِ فُهَيرةَ رضِيَ اللهُ عنهم.
وفيه: الأخذُ بالأسبابِ والتوكُّلُ على اللهِ عزَّ وجَلَّ عند قَضاءِ الحوائِجِ.
وفيه: أنَّ الصِّدِّيقَ أوثَقُ النَّاسِ عندَ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وأنَّه مِن أَأْمَنِ النَّاسِ عليهِ في صُحبتِهِ ومالِهِ.
وفيه: ما يَدُلُّ على إيثارِهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لمَنْفَعةِ أبي بَكرٍ رضِيَ اللهُ عنه؛ فقدْ أَبَى أنْ يَأخُذَها إلَّا بقِيمتِها.
[صحيح البخاري] (5/ 2187) :
5470 - حدثنا إبراهيم بن موسى: أخبرنا هشام، عن معمر، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة رضي الله عنها قالت:
هاجر ناس إلى الحبشة من المسلمين، وتجهز أبو بكر مهاجرا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (على رسلك، فإني أرجو أن يؤذن لي).
فقال أبو بكر: أو ترجوه بأبي أنت؟ قال: (نعم).
فحبس أبو بكر نفسه على النبي صلى الله عليه وسلم لصحبته، وعلف راحلتين كانتا عنده ورق السمر أربعة أشهر.
قال عروة: قالت عائشة: فبينا نحن يوما جلوس في بيتنا في نحر الظهيرة، فقال قائل لأبي بكر: هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم مقبلا متقنعا، في ساعة لم يكن يأتينا فيها، قال أبو بكر: فدى له بأبي وأمي، والله إن جاء به في هذه الساعة لأمر، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم فاستأذن فأذن له.
فدخل، فقال حين دخل لأبي بكر: (أخرج من عندك).
قال: إنما هم أهلك بأبي أنت يا رسول الله.
قال: (فإني قد أذن لي في الخروج).
قال: فالصحبة بأبي أنت وأمي يا رسول الله؟ قال: (نعم).
قال: فخذ بأبي أنت يا رسول الله إحدى راحلتي هاتين، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (بالثمن).
قالت: فجهزناهما أحث الجهاز، وضعنا لهما سفرة في جراب، فقطعت أسماء بنت أبي بكر قطعة من نطاقها، فأوكت به الجراب، ولذلك كانت تسمى ذات النطاقين.
ثم لحق النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر بغار في جبل يقال له ثور، فمكث فيه ثلاث ليال، يبيت عندهما عبد الله بن أبي بكر، وهو غلام شاب لقن ثقف، فيرحل من عندهما سحرا، فيصبح مع قريش بمكة كبائت، فلا يسمع أثرا يكادان به إلا وعاه، حتى يأتيهما بخبر ذلك حين يختلط الظلام، ويرعى عليهما عامر بن فهيرة مولى أبي بكر منحة من غنم، فيريحها عليهما حين تذهب ساعة من العشاء، فيبيتان في رسلها حتى ينعق بها عامر بن فهيرة بغلس، يفعل ذلك كل ليلة من تلك الليالي الثلاث
[مسند أحمد] (42/ 419 ط الرسالة) :
25626 - حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، قال الزهري: وأخبرني عروة بن الزبير، أن عائشة ، قالت: لم أعقل أبوي قط إلا وهما يدينان الدين، ولم يمرر علينا يوم إلا يأتينا فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم طرفي النهار بكرة وعشية، فلما ابتلي المسلمون، خرج أبو بكر مهاجرا قبل أرض الحبشة حتى إذا بلغ برك الغماد لقيه ابن الدغنة وهو سيد القارة، فقال ابن الدغنة: أين تريد يا أبا بكر؟ فقال أبو بكر: أخرجني قومي، فذكر الحديث، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للمسلمين: " قد رأيت دار هجرتكم، أريت سبخة ذات نخل بين لابتين " - وهما حرتان - فخرج من كان مهاجرا قبل المدينة حين ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورجع إلى المدينة بعض من كان هاجر إلى أرض الحبشة من المسلمين، وتجهز أبو بكر مهاجرا فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: " على رسلك، فإني أرجو أن يؤذن لي ".
فقال أبو بكر: أو ترجو ذلك بأبي أنت وأمي؟ قال: " نعم ".
فحبس أبو بكر نفسه على رسول الله صلى الله عليه وسلم لصحبته، وعلف راحلتين كانتا عنده من ورق السمر أربعة أشهر.
قال الزهري: قال عروة: قالت عائشة: فبينا نحن يوما جلوسا في بيتنا في نحر الظهيرة، قال قائل لأبي بكر: هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم مقبلا متقنعا في ساعة لم يكن يأتينا فيها، فقال أبو بكر: فداء له أبي وأمي، إن جاء به في هذه الساعة لأمر.
فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاستأذن، فأذن له، فدخل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين دخل لأبي بكر: " أخرج من عندك ".
فقال أبو بكر: إنما هم أهلك بأبي أنت وأمي يا رسول الله.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم " فإنه قد أذن لي في الخروج ".
فقال أبو بكر: فالصحابة بأبي أنت يا رسول الله.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " نعم ".
فقال أبو بكر: فخذ بأبي أنت يا رسول الله إحدى راحلتي هاتين.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " بالثمن ".
قالت: فجهزناهما أحث الجهاز، وصنعنا لهما سفرة
صحيح ابن خزيمة (4/ 132) 2518 - حدثنا يونس بن عبد الأعلى، أخبرنا ابن وهب، أخبرني يونس بن يزيد قال: قال ابن شهاب: قال عروة: قالت عائشة : فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم يعني إلى بيت أبي بكر، فاستأذن، فأذن له، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فإنه قد أذن لي في الخروج قال أبو بكر: الصحابة بأبي أنت يا رسول الله قال النبي صلى الله عليه وسلم نعم ، قالت عائشة: فجهزتهما أحث الجهاز فصنعت لهما سفرة في جراب، فقطعت أسماء بنت أبي بكر قطعة من نطاقها، فأوكت به الجراب، فبذلك كانت تسمى ذات النطاق
صحيح البخاري (7/ 145) :
5807 - حدثنا إبراهيم بن موسى : أخبرنا هشام، عن معمر، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة رضي الله عنها قالت: هاجر إلى الحبشة من المسلمين، وتجهز أبو بكر مهاجرا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: على رسلك؛ فإني أرجو أن يؤذن لي.
فقال أبو بكر أوترجوه بأبي أنت؟ قال: نعم، فحبس أبو بكر نفسه على النبي صلى الله عليه وسلم لصحبته، وعلف راحلتين كانتا عنده ورق السمر أربعة أشهر، قال عروة: قالت عائشة: فبينا نحن يوما جلوس في بيتنا في نحر الظهيرة، فقال قائل لأبي بكر: هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم مقبلا متقنعا في ساعة لم يكن يأتينا فيها، قال أبو بكر: فدا له بأبي وأمي، والله إن جاء به في هذه الساعة إلا لأمر، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم فاستأذن فأذن له، فدخل فقال حين دخل لأبي بكر: أخرج من عندك، قال: إنما هم أهلك بأبي أنت يا رسول الله، قال: فإني قد أذن لي في الخروج، قال: فالصحبة بأبي أنت يا رسول الله، قال: نعم، قال: فخذ بأبي أنت يا رسول الله إحدى راحلتي هاتين، قال النبي صلى الله عليه وسلم: بالثمن.
قالت: فجهزناهما أحث الجهاز، وضعنا لهما سفرة في جراب، فقطعت أسماء بنت أبي بكر قطعة من نطاقها، فأوكت به الجراب؛ ولذلك كانت تسمى ذات النطاق، ثم لحق النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر بغار في جبل يقال له ثور، فمكث فيه ثلاث ليال يبيت عندهما عبد الله بن أبي بكر وهو غلام شاب لقن ثقف، فيرحل من عندهما سحرا، فيصبح مع قريش بمكة كبائت فلا يسمع أمرا يكادان به إلا وعاه حتى يأتيهما بخبر ذلك حين يختلط الظلام، ويرعى عليهما عامر بن فهيرة مولى أبي بكر منحة من غنم، فيريحها عليهما حين تذهب ساعة من العشاء، فيبيتان في رسلها حتى ينعق بها عامر بن فهيرة بغلس، يفعل ذلك كل ليلة من تلك الليالي الثلاث.