- تُحْشَرُونَ حُفَاةً ، عُرَاةً، غُرْلًا ، ثُمَّ قَرَأَ: {كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ} [الأنبياء: 104]، فأوَّلُ مَن يُكْسَى إِبْرَاهِيمُ، ثُمَّ يُؤْخَذُ برِجَالٍ مِن أَصْحَابِي ذَاتَ اليَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ، فأقُولُ: أَصْحَابِي! فيُقَالُ: إنَّهُمْ لَمْ يَزَالُوا مُرْتَدِّينَ علَى أَعْقَابِهِمْ مُنْذُ فَارَقْتَهُمْ، فأقُولُ كما قالَ العَبْدُ الصَّالِحُ عِيسَى ابنُ مَرْيَمَ: {وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ * إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [المائدة: 117، 118].

الدلالات الموضوعية:# تفسير آيات - سورة المائدة# تفسير آيات - سورة الأنبياء# أنبياء - عيسى# قيامة - الحشر# أنبياء - إبراهيم
المصدر: صحيح البخاري
الراوي: عبدالله بن عباس
المحدث: البخاري
الحكم:[صحيح]

بيانات التخريج:

أخرجه مسلم (2860) باختلاف يسير

الشرح والتوضيح

يَومُ القيامةِ يومٌ عَظيمٌ وشَديدٌ، فيه يَقومُ النَّاسُ بيْن يَديِ ربِّ العالَمينَ للحِسابِ، وقد وَصَفَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بَعضَ ما في هذا اليومِ؛ ليَعمَلَ النَّاسُ له، ويَعُدُّوا له عُدَّتَه.

وفي هذا الحديثِ يُبَيِّنُ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ مَشهَدًا مِن مَشاهدِ الآخِرةِ، فأخبَرَ أنَّ النَّاسَ سيُجْمَعون عِندَ الخُروجِ مِن القُبورِ بعْدَ بَعْثِهم وإحيائهِم مِن مَوتِهم، حُفاةً بلا خُفٍّ ولا نَعْلٍ، عُراةً بلا ثِيابٍ، «غُرلًا» غَيرَ مَختونينَ.

ثمَّ قرَأَ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قولَ اللهِ تعالَى: {كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ} [الأنبياء: 104] ، أي: نُوجِدُه بِعَينه مرَّةً أُخرى بعْدَ إعدامِه مِثلَ إيجادِنا له أوَّلَ مرَّةٍ، دونَ أنْ يَمَسَّنا تَعَبٌ؛ لأنَّ قُدرتَنا لا يُعجِزُها شَيءٌ، وفي هذا استدلالٌ على إمكانيةِ البَعثِ والإعادةِ بعْدَ الفَناءِ بالقياسِ على البَدْءِ مِن العدَمِ أوَّلَ مرَّةٍ؛ فإنَّ مَن أوجَدَ مِن العدَمِ قادرٌ على الإعادةِ ثانيةً.

وقولُه: {وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ} يعني: الإعادةَ والبَعثَ، والمعنى: هذه الإعادةُ والبعثُ وَعَدْنا به وَعْدًا كائنًا علينا باختيارِنا وإرادتِنا، مُحقِّقين لهذا الوعدِ، وقادرينَ عليه.

وذكَرَ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنَّ أوَّلَ مَن يُكْسى مِن الأنبياءِ يَومَ القيامةِ إبراهيمُ الخَليلُ عليه السَّلامُ، ولا يَلزَمُ مِن تَخصيصِ نَبيِّ اللهِ إبراهيمَ عليه السَّلامُ بأنَّه أوَّلُ مَن يُكْسَى، أفْضلِيَّتُه على نَبيِّنا صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ؛ فاللهُ عزَّ وجلَّ قَد يَخُصُّ أحدًا مِن الأنبياءِ أو غيرِهم بشَيءٍ يَتمَيَّزُ به عَن غيرِه، ولا يُوجِبُ ذلكَ الفضْلَ المُطلَقَ.

ثُمَّ أخبَرَ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنَّه يُؤخَذُ برِجالٍ مِن أصحابِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ذاتَ اليَمينِ -وهي جِهةُ الجنَّةِ-، وذاتَ الشِّمالِ -وهي جِهةُ النَّارِ-، فيقولُ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: هؤلاءِ أصحابي! فيُقالُ: إنَّهم لَم يَزالوا مُرتَدِّين على أعقابِهم بالكُفرِ مُنذُ فَارَقْتَهم.

ولا يَقدَحُ ذلك في الصَّحابةِ المشهورينَ؛ فإنَّ أصحابَه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وإنْ شاعَ استعمالُه عُرْفًا فيمَن لازَمَه مِن المهاجِرين والأنصارِ، شاع استعمالُه أيضًا في كلِّ مَن تَبعَه أو أدْرَكَ حَضْرَتَه ووَفَدَ عليه ولو مرَّةً.

فيَقولُ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ كما قالَ العبدُ الصَّالِح عِيسى ابنُ مَريمَ عليه السَّلامُ: {وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ}، أي: كُنتُ رَقيبًا على قَومي، مُشاهِدًا لأحوالِهم مِن كُفْرٍ وإيمانٍ، وداعيًا لهم إلى إخلاصِ العباداتِ لكَ، والعمَلِ بمُوجَبِ أمْرِك مدَّةَ بَقائي فيهم.

{فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ}، أي: فلمَّا قَبَضْتَني بالرَّفعِ إلى السَّماءِ حيًّا، كُنتَ أنتَ وحْدَكَ الحفيظَ عليهم، المُراقِبَ لأحوالِهم، العليمَ بتَصرُّفاتِهم، الخبيرَ بمَن أحسَنَ منهم ومَن أساءَ، {وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} مُطَّلِع عَليه مُراقِبٌ له، لا تَخْفى عليكَ خافيةٌ مِن أُمورِ خلْقِك.

{إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ}، أي: إنْ تُعذِّبْ -يا إلهي- قَومي، فإنَّكَ تُعذِّبُ عِبادَك الَّذين خلَقْتَهم بقُدرتِك، والذين تَملِكُهم مُلْكًا تامًّا، ولا اعتراضَ على المَالِكِ المُطلَقِ فيما يَفعَلُ في مُلكِه، {وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}، أي: وإنْ تَغفِرْ لهم، وتَستُرْ سَيِّئاتِهم، وتَصفَحْ عنهم؛ فذلكَ إليكَ وحْدَكَ؛ لأنَّ صَفْحَكَ عمَّن تَشاءُ مِن عِبادِك هو صفْحُ القوىِّ القاهرِ الغالِبِ الَّذي لا يُعجِزُه شَيءٌ، والَّذي لا يُثيبُ ولا يُعاقِبُ إلَّا عن حِكمةٍ.

وفي الحديثِ: إخبارُه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ عنِ بعضِ أُمورِ الغَيبِ.

وفيه: فَضْلُ إبراهيمَ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ.

وفيه: فَضلُ عِيسى ابنِ مَريمَ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ.

وفيه: التَّسليمُ المطلَقُ للهِ تعالَى يومَ القيامةِ.

وفيه: حِرصُ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ على أُمَّتِه.

الأصول والأحكام

[صحيح مسلم] (4/ 2194 ) :

58 - (2860) حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة.

حدثنا وكيع.

ح وحدثنا عبيد الله بن معاذ.

حدثنا أبي.

كلاهما عن شعبة.

ح وحدثنا محمد بن المثنى ومحمد بن بشار (واللفظ لابن المثنى).

قالا: حدثنا محمد بن جعفر.

حدثنا شعبة عن المغيرة بن النعمان، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال:

قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطيبا بموعظة.

فقال "يا أيها الناس! إنكم تحشرون إلى الله حفاة عراة غرلا.

{كما بدأنا أول خلق نعيده، وعدا علينا، إنا كنا فاعلين} [21 /الأنبياء /104] ألا وإن أول الخلائق يكسى، يوم القيامة، إبراهيم عليه السلام.

ألا وإنه سيجاء برجال من أمتي فيؤخذ بهم ذات الشمال.

فأقول: يا رب! أصحابي.

فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك.

فأقول، كما قال العبد الصالح: {وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم، فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم، وأنت على كل شيء شهيدا* إن تعذبهم فإنهم عبادك، وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم} [5 /المائدة /117 و-118] قال فيقال لي: إنهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم".

وفي حديث وكيع ومعاذ "فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك".

صحيح البخاري (4/ 168) :

3447 - حدثنا محمد بن يوسف حدثنا سفيان عن المغيرة بن النعمان عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم تحشرون حفاة عراة غرلا ثم قرأ {كما بدأنا أول خلق نعيده وعدا علينا إنا كنا فاعلين} فأول من يكسى إبراهيم ثم يؤخذ برجال من أصحابي ذات اليمين وذات الشمال فأقول أصحابي فيقال إنهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم فأقول كما قال العبد الصالح عيسى بن مريم {وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شيء شهيد} إلى قوله العزيز الحكيم قال محمد بن يوسف ذكر عن أبي عبد الله عن قبيصة قال هم المرتدون الذين ارتدوا على عهد أبي بكر فقاتلهم أبو بكر رضي الله عنه.

أحاديث ذات صلة