سَمِعْتُ رَسولَ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يقولُ: ما مِن بَنِي آدَمَ مَوْلُودٌ إلَّا يَمَسُّهُ الشَّيْطَانُ حِينَ يُولَدُ، فَيَسْتَهِلُّ صَارِخًا مِن مَسِّ الشَّيْطَانِ، غيرَ مَرْيَمَ وابْنِهَا.
ثُمَّ يقولُ أَبُو هُرَيْرَةَ: {وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ} [آل عمران: 36].
أخرجه البخاري (3431) واللفظ له، ومسلم (2366)
تَعهَّدَ الشَّيطانُ بالعداءِ الدَّائمِ والمستمرِّ لبَني آدَمَ، بشَتَّى الوسائلِ والطُّرقِ، ولا يَأْلُو جُهْدًا في تَنفيذِ ما تَعهَّدَ به؛ مِن أجْلِ غَوايةِ الإنسانِ وإضلالِهِ حتَّى يُورِدَه النَّارَ، عِياذًا باللهِ.
وفي هذا الحديثِ يَذكُرُ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ مَظهَرًا مِن مَظاهرِ عَداءِ الشَّيطانِ لابنِ آدَمَ وحِرصَه على ذلك، حيث أخْبَرَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنَّ كُلَّ مَولودٍ مِن بَني آدَمَ، يَمَسُّه الشَّيطانُ بيَدِه مِن غيرِ حاجزٍ، وفي رِوايةٍ في البُخاريِّ: «يَطْعُنُ الشَّيطانُ في جَنْبَيْه بإِصْبَعِه حينَ يُولَدُ»، فيَصرُخُ عندَ وِلادتِه مِن أَثَرِ هذا المسِّ، باستثناءِ مَريمَ وابنِها عِيسى عليه السَّلامُ؛ فإنَّ اللهَ عَصَمَهما مِن مَسِّ الشَّيطانِ وطَعْنِه.
وفي روايةٍ أُخرى للبُخاريِّ: «غيرَ عِيسى ابنِ مَريمَ، ذهَبَ يَطعُنُ، فطَعَنَ في الحِجابِ»، والمقصودُ بالحِجابِ: الجِلدةُ التي فيها الجَنينُ، وتُسمَّى المَشيمةُ.
وقيل: هو الثَّوبُ الَّذي يُلَفُّ فيه المولودُ.
وذلك ببَرَكةِ دُعاءِ أُمِّ مَريمَ، كما في قَولِه تعالَى: {وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ} [آل عمران: 36] .
ولا يُعارَضُ تَفسيرُ بُكاءِ الطِّفلِ بمَسِّ الشَّيطانِ أو طَعْنِه، بما يُذكَرُ مِن بَعضِ الأسبابِ الطَّبيعيَّةِ، كتَأثُّرِ الوليدِ بدُخولِ الهواءِ إلى رِئَتِه، وغيرِ ذلك؛ فإنَّ البُكاءَ قدْ يكونُ له أكثَرُ مِن سَببٍ، وإذا كان الأمرُ كذلك فإنَّما يَهتَمُّ الرَّسولُ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ببَيانِ ما هو أهمُّ؛ لِما فيه مِن تَنبيهِ النَّاسِ على التَّحرُّزِ مِن الشَّيطانِ.
وهذا الخبَرُ مِن رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أمرٌ مِن أُمورِ الغيبِ، ولا مَدخَلَ للعقْلِ في إدراكِه أو الوقوفِ على كُنْههِ، وحَظُّ المؤمنِ فيه التَّصديقُ والتَّسليمُ.
وفي الحديثِ: فَضيلةٌ ظاهرةٌ لنَبيِّ اللهِ عِيسى عليه السَّلامُ وأُمِّه مَريمَ رَضيَ اللهُ عنها.
وفيه: فضْلُ الدُّعاءِ والحِرصُ عليه.
وفيه: بَيانُ عُمومِ تَسلُّطِ الشَّيطانِ على بَني آدَمَ بَرِّهم وفاجِرِهم، إلَّا أنَّ اللهَ تعالَى يَحفَظُ عِبادَه، كما وَعَدَ سُبحانَه وتعالَى بذلك.
[صحيح البخاري] (4/ 164) 3431- حدثنا أبو اليمان أخبرنا شعيب عن الزهري قال حدثني سعيد بن المسيب قال قال أبو هريرة رضي الله عنه سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ((ما من بني آدم مولود إلا يمسه الشيطان حين يولد فيستهل صارخا من مس الشيطان غير مريم وابنها)) ثم يقول أبو هريرة {وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم}
[صحيح مسلم] (4/ 1838 ) ((146- (2366) حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة.
حدثنا عبد الأعلى عن معمر، عن الزهري، عن سعيد، عن أبي هريرة ؛
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ((ما من مولود يولد إلا نخسه الشيطان.
فيستهل صارخا من نخسة الشيطان.
إلا ابن مريم وأمه)).
ثم قال أبو هريرة: اقرؤا إن شئتم: {وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم} [3/ آل عمران /36]))
146- م- (2366) وحدثنيه محمد بن رافع.
حدثنا عبد الرزاق.
أخبرنا معمر.
ح وحدثني عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي.
حدثنا أبو اليمان.
أخبرنا شعيب.
جميعا عن الزهري ، بهذا الإسناد.
وقالا ((يمسه حين يولد، فيستهل صارخا من مسة الشيطان إياه)).
وفي حديث شعيب ((من مس الشيطان))