-  بَعَثَنَا رَسولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ثَلَاثَ مِئَةِ رَاكِبٍ أمِيرُنَا أبو عُبَيْدَةَ بنُ الجَرَّاحِ، نَرْصُدُ عِيرَ قُرَيْشٍ، فأقَمْنَا بالسَّاحِلِ نِصْفَ شَهْرٍ، فأصَابَنَا جُوعٌ شَدِيدٌ حتَّى أكَلْنَا الخَبَطَ، فَسُمِّيَ ذلكَ الجَيْشُ جَيْشَ الخَبَطِ، فألْقَى لَنَا البَحْرُ دَابَّةً يُقَالُ لَهَا: العَنْبَرُ، فأكَلْنَا منه نِصْفَ شَهْرٍ، وادَّهَنَّا مِن وَدَكِهِ حتَّى ثَابَتْ إلَيْنَا أجْسَامُنَا، فأخَذَ أبو عُبَيْدَةَ ضِلَعًا مِن أضْلَاعِهِ، فَنَصَبَهُ، فَعَمَدَ إلى أطْوَلِ رَجُلٍ معهُ [وفي رِوايةٍ]: ضِلَعًا مِن أضْلَاعِهِ فَنَصَبَهُ، وأَخَذَ رَجُلًا وبَعِيرًا- فَمَرَّ تَحْتَهُ.

قالَ جَابِرٌ: وكانَ رَجُلٌ مِنَ القَوْمِ نَحَرَ ثَلَاثَ جَزَائِرَ ، ثُمَّ نَحَرَ ثَلَاثَ جَزَائِرَ ، ثُمَّ نَحَرَ ثَلَاثَ جَزَائِرَ ، ثُمَّ إنَّ أبَا عُبَيْدَةَ نَهَاهُ.

وكانَ عَمْرٌو يقولُ: أخْبَرَنَا أبو صَالِحٍ، أنَّ قَيْسَ بنَ سَعْدٍ قالَ لأبِيهِ: كُنْتُ في الجَيْشِ فَجَاعُوا، قالَ: انْحَرْ، قالَ: نَحَرْتُ، قالَ: ثُمَّ جَاعُوا، قالَ: انْحَرْ، قالَ: نَحَرْتُ، قالَ: ثُمَّ جَاعُوا، قالَ: انْحَرْ، قالَ: نَحَرْتُ، ثُمَّ جَاعُوا، قالَ: انْحَرْ، قالَ: نُهِيتُ.

الدلالات الموضوعية:# أطعمة - ما يحل من الأطعمة# مغازي - غزوة سيف البحر# صيد - صيد البحر# أطعمة - أكل دواب البحر# أطعمة - أكل السمك
المصدر: صحيح البخاري
الراوي: جابر بن عبدالله
المحدث: البخاري
الحكم:[صحيح]

بيانات التخريج:

أخرجه البخاري (4361) واللفظ له، ومسلم (1935).

الشرح والتوضيح

كان أصْحابُ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في جِهادٍ دائمٍ؛ فما يَخرُجونَ مِن غَزْوةٍ إلَّا ويَستَعِدُّونَ للَّتي بعْدَها، وتَحَمَّلوا الضُّرَّ والأذى في اللهِ، حتَّى فتَحَ اللهُ عليهمُ البُلدانَ، ودخَلَ النَّاسُ في دِينِ اللهِ أفْواجًا.

وفي هذا الحَديثِ يَرْوي جابرُ بنُ عبدِ اللهِ رَضيَ اللهُ عنهما أنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بعَثَهم في سَريَّةٍ، وعدَدُهم ثَلاثُ مِئةِ راكبٍ، وجعَلَ أبا عُبَيْدةَ بنَ الجرَّاحِ رَضيَ اللهُ عنه أميرًا عليهم، ليَرصُدوا عِيرَ قُرَيشٍ، أي: ليَنتَظِروا ويُراقِبوا قافلةً مُحمَّلةً بمالِ التِّجارةِ لقُرَيشٍ، وأيضًا لمُحارَبةِ حيٍّ من جُهَيْنةَ، وكانت هذه السَّريَّةُ في العامِ الثَّامِنِ مِن الهِجْرةِ، وقد عُرِفَت بسَريَّةِ سَيفِ البَحرِ.

ويُخبِرُ جابِرٌ رَضيَ اللهُ عنه أنَّهم أقاموا بسَّاحِلِ البحْرِ نِصفَ شَهرٍ، ففَنِيَ طَعامُهم، ونزَل بهم جُوعٌ شَديدٌ حتَّى أكَلوا «الخَبَطَ»، وهو ورَقُ السَّلَمِ؛ شَجرٌ مَعروفٌ، أو ما سقَطَ مِن وَرقِ الشَّجرِ بالخَبْطِ والنَّفضِ؛ فسُمِّيَ ذلك الجَيشُ جَيشَ الخَبَطِ مِن أجْلِ هذا.

وبيْنَما همْ كذلك ألْقى إليهمُ البَحرُ دابَّةً مِن السَّمكِ يُقالُ لها: العَنبَرُ، وهو اسمٌ لنَوعٍ منَ الحيتانِ، يُتَّخَذُ مِن جِلدِها الأترَاسُ، وهو ما يُتَّقى به من ضَرَباتِ السَّيفِ، فأكَلوا مِن هذا الحوتِ نِصفَ شَهرٍ، وادَّهَنوا مِن «وَدَكِه»، أي: شَحْمِه، حتَّى رجَعَت أجْسامُهم إلى ما كانت عليه مِنَ القُوَّةِ والسِّمَنِ بعْدَما ضَعُفَت مِن الجوعِ.

ويَصِفُ جابرٌ عِظَمَ الحُوتِ فيُخبِرُ أنَّه بعْدَ أنْ ظهَرَتْ عِظامُ الحوتِ وخلَتْ مِن اللَّحمِ، أخَذَ أبو عُبَيْدةَ رَضيَ اللهُ عنه ضِلَعًا مِن أضْلاعِه، فنصَبَه واقفًا، ثمَّ جاء بأطوَلِ رَجلٍ معَه، وهو قَيسُ بنُ سَعدِ بنِ عُبادةَ رَضيَ اللهُ عنهما، وفي رِوايةٍ: «أخَذَ رَجلًا وبَعيرًا، فمَرَّ تَحتَه راكبًا عليه»، وفي رِوايةِ الصَّحيحَينِ: «فلمَّا قَدِمْنا المَدينةَ، ذَكَرْنا ذلك للنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فقال: كُلوا؛ رِزقًا أخرَجَه اللهُ، أطْعِمونا إنْ كان معَكم، فأَتاهُ بَعضُهم، فأكَلَه».

ويَحْكي جابِرٌ رَضيَ اللهُ عنه أنَّ رَجُلًا مِن القَومِ -وهو قَيسُ بنُ سَعدٍ- نحَرَ ثَلاثَ جَزائرَ، وذلك عندَما جاعوا، ثمَّ نحَرَ ثَلاثَ جَزائرَ أُخْرى، ثمَّ نحَرَ ثَلاثَ جَزائرَ أُخْرى، والجَزائرُ جَمعُ جَزورٍ، وهو البَعيرُ ذَكرًا كان أو أُنْثى، وكانتْ تِلك الجِمالُ من دَوابِّهمُ الَّتي كانتْ تَحمِلُهم، ثمَّ إنَّ أبا عُبَيْدةَ رَضيَ اللهُ عنه نَهاهُ عن ذلك؛ لأجْلِ قلَّةِ الظَّهرِ.

ولَمَّا رجَعَ قَيسُ بنُ سَعدٍ لأبيهِ سَعدِ بنِ عُبادةَ رَضيَ اللهُ عنهما، حَكَى له أنَّهم جاعُوا ثَلاثَ مرَّاتٍ وهمْ في الجَيشِ، وفي كلِّ مرَّةٍ يقولُ له أبوهُ: «انْحَرْ»، أي: وأطْعِمْهم، ويرُدُّ عليه ابنُه أنْ قدْ نَحَرْنا حتَّى جاءَتِ الرَّابعةُ، وقدْ جاعوا، فنَهاه أبو عُبَيْدةَ رَضيَ اللهُ عنه عن ذلك.

قيل: إنَّ عُمَرَ بنَ الخطَّابِ رَضيَ اللهُ عنه كان في ذلك الجيشِ، فلمَّا رَأى ذلك طَلَبَ مِن أبي عُبيدةَ أنْ يَنهى قَيسًا عن النَّحْرِ، فعَزَمَ عليه أبو عُبَيدةَ أنْ يَنتهِيَ عن ذلك، فأطاعَه.

وفي الحَديثِ: ما كان عليه الصَّحابةُ رَضيَ اللهُ عنهم مِنَ الجُوعِ، وشِدَّةِ العَيشِ في أوَّلِ الإسلامِ.

وفيه: فَضلُ أبي عُبَيْدةَ بنِ الجرَّاحِ رَضيَ اللهُ عنه، وحِكمَتُه في قِيادةِ الجَيشِ.

وفيه: مَشْروعيَّةُ أكْلِ مَيْتةِ البَحرِ.

الأصول والأحكام

[صحيح البخاري] (5/ 167) 4361- حدثنا علي بن عبد الله: حدثنا سفيان قال: الذي حفظناه من عمرو بن دينار قال: سمعت جابر بن عبد الله يقول: ((بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثمائة راكب، أميرنا أبو عبيدة بن الجراح، نرصد عير قريش، فأقمنا بالساحل نصف شهر، فأصابنا جوع شديد حتى أكلنا الخبط، فسمي ذلك الجيش جيش الخبط، فألقى لنا البحر دابة يقال لها العنبر، فأكلنا منه نصف شهر، وادهنا من ودكه، حتى ثابت إلينا أجسامنا، فأخذ أبو عبيدة ضلعا من أضلاعه فنصبه، فعمد إلى أطول رجل معه، قال سفيان مرة: ضلعا من أضلاعه فنصبه، وأخذ رجلا وبعيرا فمر تحته.

قال جابر: وكان رجل من القوم نحر ثلاث جزائر، ثم نحر ثلاث جزائر، ثم نحر ثلاث جزائر، ثم إن أبا عبيدة نهاه)).

وكان عمرو يقول: أخبرنا أبو صالح: أن قيس بن سعد قال لأبيه: كنت في الجيش فجاعوا، قال: انحر، قال: نحرت، قال: ثم جاعوا، قال: انحر، قال: نحرت، قال: ثم جاعوا، قال: انحر، قال: نحرت، ثم جاعوا، قال: انحر، قال: نهيت

[صحيح مسلم] (3/ 1536 ) ((18- (1935) حدثنا عبد الجبار بن العلاء.

حدثنا سفيان.

قال: سمع عمرو بن جابر بن عبد الله يقول

بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن ثلاثمائة راكب.

وأميرنا أبو عبيدة بن الجراح.

نرصد عيرا لقريش.

‌فأقمنا ‌بالساحل نصف شهر.

فأصابنا جوع شديد.

حتى أكلنا الخبط.

فسمي جيش الخبط.

فألقى لنا البحر دابة يقال لها العنبر.

فأكلنا منها نصف شهر.

وادهنا من ودكها حتى ثابت أجسامنا.

قال: فأخذ أبو عبيدة ضلعا من أضلاعه فنصبه.

ثم نظر إلى أطول رجل في الجيش، وأطول جمل فحمله عليه.

فمر تحته.

قال: وجلس في حجاج عينه نفر.

قال: وأخرجنا من وقب عينه كذا وكذا قلة ودك.

قال: وكان معنا جراب من تمر.

فكان أبو عبيدة يعطي كل رجل منا قبضة قبضة.

ثم أعطانا تمرة تمرة.

فلما فني وجدنا فقده))

أحاديث ذات صلة