بَعَثَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ عَلِيًّا إلى خَالِدٍ لِيَقْبِضَ الخُمُسَ، وكُنْتُ أُبْغِضُ عَلِيًّا، وقَدِ اغْتَسَلَ، فَقُلتُ لِخَالِدٍ: ألَا تَرَى إلى هذا! فَلَمَّا قَدِمْنَا علَى النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ذَكَرْتُ ذلكَ له، فَقالَ: يا بُرَيْدَةُ، أتُبْغِضُ عَلِيًّا؟ فَقُلتُ: نَعَمْ، قالَ: لا تُبْغِضْهُ؛ فإنَّ له في الخُمُسِ أكْثَرَ مِن ذلكَ.
أخرجه أحمد (23036)، وأبو نعيم في ((معرفة الصحابة)) (1256)، وابنحزم في ((المحلى)) (5/ 390) واللفظ لهم جميعا.
أصْحابُ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ خَيرُ هذه الأُمَّةِ بعْدَ نَبيِّنا محمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، وبرَغمِ فَضلِهم، ومَكانَتِهم، وجِهادِهم؛ إلَّا أنَّهم كانوا بشَرًا يَعْتَريهم ما يَعْتَري البشَرَ مِن الخَطأِ، والنِّسْيانِ، وفِعلِ ما لا يَنبَغي أحْيانًا، إلَّا أنَّهم تَميَّزوا بأنَّهم كانوا أسرَعَ النَّاسِ للتَّوبةِ والاسْتِجابةِ لأمرِ اللهِ ورَسولِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ.
وفي هذا الحَديثِ يَحْكي بُرَيْدةُ بنُ الحَصيبِ الأسْلَميُّ رَضيَ اللهُ عنه أنَّه كان في جَيشٍ معَ خالِدِ بنِ الوَليدِ رَضيَ اللهُ عنه، فبعَثَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ عَليَّ بنَ أبي طالبٍ رَضيَ اللهُ عنه إلى خالِدِ بنِ الوليدِ رَضيَ اللهُ عنه؛ ليَقْبِضَ خُمُسَ الغَنيمةِ الَّتي حصَلَ عليها مِن أمْوالِ أهلِ اليمَنِ، كما بيَّنَتْ رِوايةٌ أُخْرى للبُخاريِّ، وكان بُرَيْدةُ رَضيَ اللهُ عنه يُبغِضُ عَليًّا رَضيَ اللهُ عنه، ويَكرَهُ منه بعضَ الأُمورِ؛ لأنَّه رَآه قدِ اغتَسَلَ، فظَنَّ أنَّه اغتَسَلَ بعْدَ أنْ جامَعَ جاريةً قدِ اخْتارَها لنَفْسِه منَ الغَنيمةِ قبْلَ أنْ تُقسَّمَ، أو جامَعَها دونَ استِبْراءٍ لرَحِمِها، فأخَذَ عليه ذلك وكرِهَه.
وقد أُجيبَ عن ذلك بأنَّ عَليًّا رَضيَ اللهُ عنه إنَّما بعَثَه رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ؛ ليُقسِّمَ الغَنائمَ، ويأخُذَ الخُمُسَ، وقدْ فَعَلَ ذلك، فخرَجَتِ الجاريةُ مِن نَصيبِه، فعلى هذا فهو قدْ تصَرَّفَ في نَصيبِه رَضيَ اللهُ عنه، وأمَّا اغْتِسالُه رَضيَ اللهُ عنه مِن جِماعِها دونَ استِبْراءِ رَحِمِها؛ فقيلَ: لعلَّ الجاريةَ كانت بِكرًا، والبِكرُ لا يُشتَرَطُ استِبْراؤُها، وقيلَ: لعلَّه اغتَسَلَ لسبَبٍ آخَرَ، ولم يُجامِعِ الجاريةَ، فوقَعَ الظَّنُّ أنَّ غُسلَه كان مِن جِماعِها.
وبُغضُ بُرَيْدةَ رَضيَ اللهُ عنه لعَليٍّ رَضيَ اللهُ عنه بسَببِ ذلك يُعذَرُ فيه؛ فإنَّ الإنْسانَ إذا رَأى مَن يَفعَلُ شَيئًا لا يَفهَمُه أبْغَضَه لذلك، وهذا مَنْسوبٌ إلى سُوءِ الفَهمِ أيضًا، فكأنَّه كان يَرى مِن أفْعالِه ما لا يَعلَمُ مَعْناه، فيُبغِضُه لذلك، ولكنْ زالَ هذا البُغضُ لمَّا زالَ الإشْكالُ، ووضَّحَ له رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنَّ عَليًّا لم يُخْطئْ، وهذا ما أخبَرَ به بُرَيْدةُ رَضيَ اللهُ عنه، حيث حَكى أنَّه حدَّثَ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بذلك لَمَّا رجَعَ إليه، وذكَرَ له ما كان مِن عَليٍّ رَضيَ اللهُ عنه، فسَأَلَه النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قائلًا: «أتُبغِضُ عَليًّا؟» فأقَرَّ بُرَيْدةُ ببُغضِه إيَّاه؛ وذلك لِمَا ظَنَّه مِن أنَّ عَليًّا رَضيَ اللهُ عنه أخَذَ ما ليس مِن حَقِّه، فنَهاهُ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ عن بُغضِه، وأخْبَرَه أنَّ عَليًّا رَضيَ اللهُ عنه له في الخُمُسِ أكثرُ مِمَّا أخَذَ، فعندَها زالَ الإشْكالُ الَّذي كان عندَ بُرَيْدةَ رَضيَ اللهُ عنه، وقال بعْدَ ذلك -كما ثبَتَ في مُسنَدِ أحمَدَ-: «فمَا كان مِن النَّاسِ أحدٌ أحَبَّ إلَيَّ مِن عَليٍّ»، رَضيَ اللهُ تعالَى عنِ الصَّحابةِ أجْمَعينَ.
وفي الحَديثِ: بَيانُ مَنقَبةٍ لعَليِّ بنِ أبي طالبٍ رَضيَ اللهُ عنه.
وفيه: النَّهيُ عن بُغضِ عَليٍّ رَضيَ اللهُ عنه.
[صحيح البخاري] (5/ 163) :
4350 - حدثني محمد بن بشار، حدثنا روح بن عبادة، حدثنا علي بن سويد بن منجوف، عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه رضي الله عنه، قال: بعث النبي صلى الله عليه وسلم عليا إلى خالد ليقبض الخمس، وكنت أبغض عليا وقد اغتسل، فقلت لخالد: ألا ترى إلى هذا، فلما قدمنا على النبي صلى الله عليه وسلم ذكرت ذلك له، فقال: يا بريدة أتبغض عليا؟ فقلت: نعم، قال: لا تبغضه فإن له في الخمس أكثر من ذلك
[مسند أحمد] (38/ 144 ط الرسالة) :
23036 - حدثنا روح، حدثنا علي بن سويد بن منجوف، عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عليا إلى خالد بن الوليد ليقسم الخمس، وقال روح مرة: ليقبض الخمس، قال: فأصبح علي ورأسه يقطر.
قال: فقال خالد لبريدة ألا ترى إلى ما يصنع هذا، لما صنع علي،؟ قال: وكنت أبغض عليا قال: فقال: " يا بريدة أتبغض عليا؟ " قال: قلت: نعم.
قال: " فلا تبغضه، قال روح مرة: فأحبه، فإن له في الخمس أكثر من ذلك "
معرفة الصحابة لأبي نعيم (1/ 432) :
1256 - حدثنا أحمد بن جعفر بن مالك، ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدثني أبي، ثنا روح، ثنا علي بن سويد بن منجوف، عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه ، قال: " بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى خالد بن الوليد ليقسم الخمس - وقال روح مرة: ليقبض الخمس - قال: فأصبح علي ورأسه يقطر.
قال: فقال خالد لبريدة: ألا ترى ما يصنع هذا؟ قال: فلما رجعت إلى النبي صلى الله عليه وسلم أخبرته بما صنع علي.
قال: فكنت أبغض عليا.
قال: فقال: يا بريدة، أتبغض عليا ؟ قال: قلت: نعم.
قال: فلا تبغضه .
وقال روح مرة: فأحبه؛ فإن له في الخمس أكثر من ذلك
المحلى بالآثار (5/ 390) :
نا يوسف بن عبد الله النمري نا عبد الوارث بن سفيان بن جبرون نا قاسم بن أصبغ نا أحمد بن زهير بن حرب نا أبي نا روح بن عبادة نا علي بن سويد بن منجوف نا عبد الله بن بريدة الأسلمي عن أبيه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعث عليا إلى خالد ليقسم الخمس فاصطفى علي منها سبية فأصبح يقطر رأسه، فقال خالد لبريدة: ألا ترى ما صنع هذا الرجل؟ قال بريدة: وكنت أبغض عليا، فأتيت نبي الله - صلى الله عليه وسلم - فلما أخبرته، قال: أتبغض عليا؟ قلت: نعم، قال: فأحبه، فإن له في الخمس أكثر من ذلك .
وهذا إسناد في غاية الصحة، وفي غاية البيان في أن نصيب كل امرئ من ذوي القربى محدود معروف القدر.