- جَعَلَ المُهَاجِرُونَ والأنْصَارُ يَحْفِرُونَ الخَنْدَقَ حَوْلَ المَدِينَةِ، ويَنْقُلُونَ التُّرَابَ علَى مُتُونِهِمْ ، وهُمْ يقولونَ:
نَحْنُ الَّذِينَ بَايَعُوا مُحَمَّدَا...
علَى الإسْلَامِ ما بَقِينَا أبَدَا
قالَ: يقولُ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، وهو يُجِيبُهُمْ:
اللَّهُمَّ إنَّه لا خَيْرَ إلَّا خَيْرُ الآخِرَهْ...
فَبَارِكْ في الأنْصَارِ والمُهَاجِرَهْ
قالَ: يُؤْتَوْنَ بمِلْءِ كَفِّي مِنَ الشَّعِيرِ، فيُصْنَعُ لهمْ بإهَالَةٍ سَنِخَةٍ ، تُوضَعُ بيْنَ يَدَيِ القَوْمِ، والقَوْمُ جِيَاعٌ، وهي بَشِعَةٌ في الحَلْقِ، ولَهَا رِيحٌ مُنْتِنٌ.
أخرجه البخاري (4100)، ومسلم (1805) مختصراً
لقدْ جاهَدَ الصَّحابةُ رَضيَ اللهُ عنهم في اللهِ مع رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ حَقَّ الجِهادِ؛ لإعْلاءِ كَلِمتِه، وتَنْفيذًا لأمْرِه، ومُجاهَدةً لأعْدائِه، فأُوذوا وصَبَروا للهِ ابْتِغاءَ ما عِندَ اللهِ سُبحانَه وتعالَى، ففازوا بخَيرَيِ الدُّنْيا والآخِرةِ.
وفي هذا الحَديثِ يُخبِرُ أنَسُ بنُ مالكٍ رَضيَ اللهُ عنه أنَّ المُهاجِرينَ والأنْصارَ كانوا يَحفِرونَ الخَندَقَ حَولَ المَدينةِ، والخَندَقُ هو الحُفرةُ العَميقةُ والطَّويلةُ حَولَ شَيءٍ مُعيَّنٍ، أو في جِهةٍ مُعيَّنةٍ، وقدْ حفَرَه النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ شَمالَ المَدينةِ بعْدَ أنْ أشار عليه سَلْمانُ الفارسيُّ؛ لحِمايَتِها منَ الأحْزابِ الَّتي جَمعَتْها قُرَيشٌ لحَربِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وأصْحابِه، وكان ذلك في سَنةِ خَمسٍ منَ الهِجْرةِ.
وفي أثْناءِ الحَفرِ كانوا يَنقُلونَ التُّرابَ على مُتونِهم، أي: ظُهورِهم، وهمْ يُنْشِدونَ: «نَحنُ الَّذِينَ بَايَعُوا مُحَمَّدَا *** عَلى الإسْلامِ ما بَقِينَا أبَدَا» والمُبايَعةُ هي المُعاقَدةُ والمُعاهَدةُ، وسُمِّيَت بذلك تَشْبيهًا بالمُعاوَضةِ الماليَّةِ؛ كأنَّ كلَّ واحِدٍ منهما يَبيعُ ما عندَه مِن صاحِبِه؛ فمِن طرَفِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: وَعدٌ بالثَّوابِ، ومِن طَرَفِهم في هذا الحَديثِ الجِهادُ في سَبيلِ اللهِ ما داموا أحْياءً قادِرينَ عليه، وصَدَقوا في بَيْعَتِهم رَضيَ اللهُ عنهم أجْمَعينَ.
فأجابَهم صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: «اللَّهُمَّ إنَّه لا خَيْرَ إلَّا خَيرُ الْآخِرهْ *** فبَارِكْ فِي الأنْصَارِ والْمُهاجِرَهْ»، أي: لا خَيرَ مُستمِرًّا على وَجهِ الحَقيقةِ إلَّا الخَيرُ في الآخِرةِ في رِضْوانِ اللهِ ورَحْمتِه، ثمَّ دَعا النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بالبَرَكةِ للْمُهاجِرينَ الَّذين تَرَكوا دِيارَهم وأمْوالَهم يَبْتَغونَ فَضلًا منَ اللهِ ورِضْوانًا، والأنْصارِ الَّذين آوَوُا النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ والمُهاجِرينَ ونَصَروهم، وقاسَموهم في أمْوالِهم.
واستُشكِلَ قَولُه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ الشِّعرَ مع قَولِه تعالَى: {وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ} [يس: 69] ، وأُجيبَ: بأنَّ المُمتنِعَ عليه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ إنْشاءُ الشِّعرِ لا إنْشادُه، ولم يَثبُتْ عنه الإنْشاءُ.
ويَحْكي أنَسٌ رَضيَ اللهُ عنه أنَّهم كانوا يُؤتَوْنَ بمِلْءِ كَفِّه -وضُبطَت أيضًا بالمُثْنى كَفَّي- مِن الشَّعيرِ، فيُطبَخُ لهم بإهالةٍ سَنِخةٍ، والإهالةُ: هي الدُّهْنُ الَّذي يُؤتَدَمُ به، سَواءٌ كان زَيْتًا، أو سَمْنًا، أو شَحْمًا، وسَنِخةٌ، أي: مُتَغيِّرةُ الرِّيحِ فاسِدةُ الطَّعمِ، فتُوضَعُ بيْنَ يَدَيِ القَوْمِ، والقَومُ جياعٌ، والإهالةُ بَشِعةٌ في الحَلْقِ، أي: كَرِيهةُ الطَّعمِ تَأخُذُ الحَلقَ، ولها رِيحٌ مُنتِنٌ، ومعَ ذلك يَأْكُلونَه، وهو ما تَرفُضُه النَّفْسُ في وَقتِ الرَّخاءِ واليَسارِ، وهذا يدُلُّ على ما كانوا فيه مِن شدَّةِ الحالِ والضِّيقِ، ومعَ ذلك صَبَروا معَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ على الأذى والشِّدَّةِ حتَّى نصَرَهمُ اللهُ.
وفي الحَديثِ: إنْشادُ الشِّعرِ، والارْتِجازُ في حالِ العَملِ والجِهادِ، والاسْتِعانةُ بذلك لتَنْشيطِ النُّفوسِ، وتَسْهيلِ الأعْمالِ.
[صحيح البخاري] (5/ 108) 4100- حدثنا أبو معمر: حدثنا عبد الوارث، عن عبد العزيز، عن أنس رضي الله عنه قال: ((جعل المهاجرون والأنصار يحفرون الخندق حول المدينة، وينقلون التراب على متونهم، وهم يقولون
نحن الذين بايعوا محمدا … على الإسلام ما بقينا أبدا
قال: يقول النبي صلى الله عليه وسلم، وهو يجيبهم
اللهم إنه لا خير إلا خير الآخره.
… فبارك في الأنصار والمهاجره
قال: يؤتون بملء كفي من الشعير، فيصنع لهم بإهالة سنخة، توضع بين يدي القوم، والقوم جياع، وهي بشعة في الحلق، ولها ريح منتن)).
[صحيح مسلم] (3/ 1431 ) ((129- (1805) وحدثنا يحيي بن يحيي وشيبان بن فروخ (قال يحيى: أخبرنا.
وقال شيبان: حدثنا عبد الوارث) عن أبي التياح.
حدثنا أنس بن مالك قال
كانوا يرتجزون، ورسول الله صلى الله عليه وسلم معهم وهم يقولون
اللهم! لا خير إلا خير الآخره * فانصر الأنصار والمهاجره
وفي حديث شيبان (بدل فانصر): فاغفر))