دَخَلَ أبو بَكْرٍ علَى امْرَأَةٍ مِن أحْمَسَ يُقَالُ لَهَا: زَيْنَبُ، فَرَآهَا لا تَكَلَّمُ، فَقالَ: ما لَهَا لا تَكَلَّمُ؟ قالوا: حَجَّتْ مُصْمِتَةً، قالَ لَهَا: تَكَلَّمِي؛ فإنَّ هذا لا يَحِلُّ، هذا مِن عَمَلِ الجَاهِلِيَّةِ، فَتَكَلَّمَتْ، فَقالَتْ: مَن أنْتَ؟ قالَ: امْرُؤٌ مِنَ المُهَاجِرِينَ، قالَتْ: أيُّ المُهَاجِرِينَ؟ قالَ: مِن قُرَيْشٍ، قالَتْ: مِن أيِّ قُرَيْشٍ أنْتَ؟ قالَ: إنَّكِ لَسَؤُولٌ، أنَا أبو بَكْرٍ، قالَتْ: ما بَقَاؤُنَا علَى هذا الأمْرِ الصَّالِحِ الذي جَاءَ اللَّهُ به بَعْدَ الجَاهِلِيَّةِ؟ قالَ: بَقَاؤُكُمْ عليه ما اسْتَقَامَتْ بكُمْ أئِمَّتُكُمْ، قالَتْ: وما الأئِمَّةُ؟ قالَ: أَمَا كانَ لِقَوْمِكِ رُؤُوسٌ وأَشْرَافٌ يَأْمُرُونَهُمْ فيُطِيعُونَهُمْ؟ قالَتْ: بَلَى، قالَ: فَهُمْ أُولَئِكِ علَى النَّاسِ.

الدلالات الموضوعية:# حج - من نذر أن يحج صامتا# الكفر والشرك - أعمال الجاهلية# إمامة وخلافة - خيار الأئمة وشرارهم# إمامة وخلافة - العرافة وتعيين العرفاء والوكلاء# نذور - النذر فيما لا يملك وفي معصية
المصدر: صحيح البخاري
الراوي: قيس بن أبي حازم
المحدث: البخاري
الحكم:[صحيح]

بيانات التخريج:

أخرجه الدارمي (218)، والبيهقي (20121) كلاهما بلفظ مقارب، وابن الأعرابي في ((معجم الشيوخ)) (2302) بنحوه، وابن أبي شيبة (12531) مختصرا.

الشرح والتوضيح

لقدْ هَدَم الإسْلامُ كُلَّ أُمورِ الجاهِليَّةِ، ودَعَواتِها، وعاداتِها الفاسِدةَ، فذهبَتِ الجاهِليَّةُ بعارِها وعَيْبِها، وأقامَ مُعتَقَداتِ الدِّينِ الصَّحيحِ، والعاداتِ الحَسَنةَ، والمَنهجَ القَويمَ.

وفي هذا الحَديثِ يَحْكي التَّابِعيُّ قَيسُ بنُ أبي حازمٍ أنَّ أبا بَكرٍ الصِّدِّيقَ رَضيَ اللهُ عنه دخَلَ على امْرأةٍ مِن «أحْمَسَ»، وهي: قَبيلةٌ مِن بَجِيلةَ، وليستْ مِنَ الحُمْسِ، واسمُها: زَينبُ بنتُ المُهاجرِ، والحُمْسُ: هم: قُرَيشٌ، وكِنانةُ، وجَديلةُ؛ سُمُّوا بذلك؛ لتَحَمُّسِهم وتَشَدُّدِهم في دِينِهم، فرَآها أبو بَكرٍ رَضيَ اللهُ عنه صامِتةً لا تتَكلَّمُ، فسَأَلَ: ما لها لا تَتَكلَّمُ؟ فأجابوه: «حجَّتْ مُصْمِتةً»، أي: نذَرَت أنْ تحُجَّ وهي تارِكةٌ للكَلامِ، فأمَرَها بأنْ تتَكلَّمَ؛ فإنَّ تَرْكَ الكَلامِ لا يحِلُّ؛ لأنَّه مِن عَملِ الجاهِليَّةِ، وهي: المدَّةُ الَّتي كان النَّاسُ فيها على الشِّركِ قبْلَ مَجيءِ الإسْلامِ، وسُمِّيَت بها لكَثْرةِ جَهالاتِهم.

فتكلَّمَتِ المَرأةُ، فسَألَتِ الصِّدِّيقَ رَضيَ اللهُ عنه: مَن هو؟ ومِن أين؟ فأجابَها: امْرؤٌ مِنَ المُهاجِرينَ، فاتَّصفَ لها بصِفةٍ جَميلةٍ كافيةٍ، وقِدَمٍ في الإسْلامِ، فسَألَتْه: مِن أيِّ المهاجرينَ؟ فزادَها صِفةً أُخْرى خصَّتْه بالقُربِ إلى النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بأنَّه مِن قُرَيشٍ، فسَألَتْه: مِن أيِّ قُرَيشٍ أنتَ؟ قال لها: «إنَّكِ لَسَؤولٌ»، أي: كَثيرةُ السُّؤالِ، وقدْ عرَف رَضيَ اللهُ عنه ما تُريدُ مِن سؤالِها، فقال: أنا أبو بَكرٍ، فلمَّا علِمَتْ أنَّه أبو بَكرٍ رَضيَ اللهُ عنه صاحِبُ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، قنَعَت بفَتْواه الأُولى، ثمَّ بادَرَتْه بسُؤالٍ آخَرَ، وتلك المرَّةَ سؤالٌ في أمْرِ الدِّينِ، وليسَ عن شَخصِه، فسَألَتْه: ما بَقاؤُنا على هذا الأمرِ الصَّالحِ؟ أي: دِينِ الإسْلامِ الَّذي جاء اللهُ به بعْدَ الجاهِليَّةِ، وما اشتَمَلَ عليه مِن العَدْلِ، واجْتِماعِ الكَلمةِ، ونَصْرِ المَظْلومِ، تَقصِدُ صُورَتَه وأحْوالَه الَّتي كان عليها الإسْلامُ في عَهدِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فأجابَها رَضيَ اللهُ عنه: بَقاؤُكم عليه ما استَقامَتْ بكم أئمَّتُكم؛ لأنَّ باسْتِقامَتِهم تُقامُ الحُدودُ، وتُؤخَذُ الحُقوقُ، ويُوضَعُ كلُّ شَيءٍ مَوضِعَه، والنَّاسُ على دِينِ مُلوكِهم؛ فالمُرادُ بالأئمَّةِ: وَليُّ الأمرِ ومَن يَنوبونَ عنه، ويَتوَلَّوْنَ أُمورَ النَّاسِ ومَصالِحَهم، فسَألَتْه: وما الأئمَّةُ؟ فقرَّبَ لها رَضيَ اللهُ عنه الإجابةَ تَلطُّفًا منه بها، فقال: أمَا كان لقَومِكِ رُؤوسٌ وأشْرافٌ يَأمُرونَهم فيُطيعونَهم؟ قالت: بَلى، قال لها: فهُمْ أولئكِ على النَّاسِ، فأكَّد رَضيَ اللهُ عنه أنَّ المُرادَ بالأئمَّةِ الزُّعماءُ والحُكَّامُ.

وفي الحَديثِ: النَّهيُ عن فِعلِ شَيءٍ مِن أفْعالِ الجاهِليَّةِ مُخالِفٍ لتَعاليمِ الإسْلامِ.

وفيه: إنْكارُ البِدْعةِ، حتَّى على مَن يظُنُّ أنَّ فِعلَه سُنَّةٌ.

وفيه: أهمِّيَّةُ اسْتِقامةِ الحُكَّامِ والرُّؤساءِ؛ لِما فيه منَ اسْتِقامةِ الرَّعيَّةِ، وأداءِ الحُقوقِ، ووَضعِ كلِّ شَيءٍ في مَوضِعِه.

وفيه: لا نَذْرَ في مَعْصيةٍ.

وفيه: الرِّفقُ بالسَّائلِ إذا كانت مَسائلُه فيما تَنفَعُ نفْسَه وغيرَه منَ المُسلِمينَ.

الأصول والأحكام

[صحيح البخاري] (5/ 41) :

3834 - حدثنا أبو النعمان: حدثنا أبو عوانة، عن بيان أبي بشر، عن قيس بن أبي حازم قال: دخل أبو بكر على ‌امرأة ‌من ‌أحمس ‌يقال ‌لها ‌زينب، فرآها لا تكلم فقال: ما لها لا تكلم؟ قالوا: حجت مصمتة، قال لها، تكلمي، فإن هذا لا يحل، هذا من عمل الجاهلية، فتكلمت، فقالت: من أنت؟ قال: امرؤ من المهاجرين، قالت: أي المهاجرين؟ قال: من قريش، قالت من أي قريش أنت؟ قال: إنك لسؤول، أنا أبو بكر، قالت: ما بقاؤنا على هذا الأمر الصالح الذي جاء الله به بعد الجاهلية؟ قال: بقاؤكم عليه ما استقامت بكم أئمتكم، قالت: وما الأئمة؟ قال: أما كان لقومك رؤوس وأشراف، يأمرونهم فيطيعونهم: قالت: بلى، قال: فهم أولئك على الناس.

[مسند الدارمي - ت حسين أسد] (1/ 293) :

218 - أخبرنا أبو النعمان، حدثنا أبو عوانة، عن بيان بن بشر، عن قيس بن أبي حازم، قال: دخل أبو بكر رضوان الله عليه على ‌امرأة ‌من ‌أحمس ‌يقال ‌لها ‌زينب، قال: فرآها لا تتكلم، فقال: ما لها لا تتكلم؟ قالوا: نوت حجة مصمتة.

فقال لها: تكلمي، فإن هذا لا يحل، هذا من عمل الجاهلية.

قال: فتكلمت، فقالت: من أنت.

قال: " أنا امرؤ من المهاجرين.

قالت: من أي المهاجرين؟ قال: من قريش قالت: فمن أي قريش أنت؟ قال: " إنك لسئول، أنا أبو بكر.

قالت: ما بقاؤنا على هذا الأمر الصالح الذي جاء الله به بعد الجاهلية؟ فقال: بقاؤكم عليه ما استقامت بكم أئمتكم.

قالت " وما الأئمة؟ قال: أما كان لقومك رؤساء وأشراف يأمرونهم فيطيعونهم؟ قالت: بلى، قال: فهم مثل أولئك على الناس

السنن الكبير للبيهقي (20/ 207 ت التركي) :

20121 - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ وأبو القاسم الحسن بن محمد بن حبيب من أصله قالا: أنبأنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الصفار، حدثنا أحمد بن مهران، حدثنا عفان بن مسلم الصفار، حدثنا أبو عوانة، حدثنا بيان بن بشر، عن قيس بن أبى حازم قال: دخل أبو بكر الصديق رضي الله عنه على ‌امرأة ‌من ‌أحمس ‌يقال ‌لها: ‌زينب.

قال: فرآها لا تكلم، قال: ما لهذه لا تكلم؟ قال: فقالوا: حجت مصمتة.

فقال: تكلمى؛ فإن هذا لا يحل، هذا من عمل الجاهلية.

فتكلمت فقالت: من أنت؟ قال: أنا من المهاجرين.

قالت: من أى المهاجرين؟ قال: من قريش.

قالت: من أى قريش؟ قال: إنك لسئول، أنا أبو بكر.

قال: فقالت: ما بقاؤنا على هذا الأمر الصالح الذى جاء الله به بعد الجاهلية بعد النبى صلى الله عليه وسلم؟ قال: فقال: بقاؤكم عليه ما استقامت أئمتكم.

قالت: وما الأئمة؟ قال: أما كان لقومك رءوس وأشراف يأمرونهم ويطيعونهم؟ قالت: بلى.

قال: فهم أمثال أولئك يكونون على الناس.

رواه البخارى فى "الصحيح" عن أبى النعمان عن أبى عوانة.

معجم شيوخ ابن الأعرابي (3/ 1069 ط ابن الجوزي) :

2302 - حدثنا عبيد بن غنام، نا محمد بن عبد الله بن نمير، نا أحمد بن بشير، عن عبد السلام بن عبد الله بن جابر الأحمسي، عن أبيه، عن زينب بنت جابر الأحمسية قالت: خرجت أنا وصاحبة لي حاجة ، حجت ‌مصمتة، فأتانا رجل بمكة، قلت: من أنت؟ قال: أبو بكر ، قلت: صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: نعم، قلت: يا صاحب رسول الله إنا مررنا بأقوام كنا نغزوهم ويغزونا، فلم يعرضوا لنا، ولم نعرض لهم، مم ذلك؟ قال: ذا من قبل الأمر، قلت: فمتى يكون ذلك؟ قال: إذا استقامت لكم أئمتكم، قلت: وما الأئمة؟ قال: إنك لسئول، أما لكم رؤس قادة، قلت: بلى قال: فهم أولئك، ثم قال: ما لصاحبتك لا تكلم؟ قلت: إنها حجت ‌مصمتة قال: قولي لها تتكلم، لا حج لمن لا يتكلم

مصنف ابن أبي شيبة (7/ 270 ت الشثري) :

12531 - حدثنا محمد بن فضيل عن بيان عن قيس قال: دخل أبو بكر على امرأة من (أحمس) (مصمتة) في (حجتها) فجعلت تشير إليه ولا تكلمه فقال: ما لها لا تتكلم فقالوا: إنها ‌نذرت ‌أن ‌تحج ‌مصمتة فقال: تكلمي فإن هذا لا يحل لك إنما هذا من عمل الجاهلية.

أحاديث ذات صلة