جَاءَهُ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ قَبْلَ أنْ يُوحَى إلَيْهِ، وهو نَائِمٌ في مَسْجِدِ الحَرَامِ، فَقالَ أوَّلُهُمْ: أيُّهُمْ هُوَ؟ فَقالَ أوْسَطُهُمْ: هو خَيْرُهُمْ، وقالَ آخِرُهُمْ: خُذُوا خَيْرَهُمْ.
فَكَانَتْ تِلْكَ، فَلَمْ يَرَهُمْ حتَّى جَاؤُوا لَيْلَةً أُخْرَى فِيما يَرَى قَلْبُهُ، والنَّبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ نَائِمَةٌ عَيْنَاهُ ولَا يَنَامُ قَلْبُهُ، وكَذلكَ الأنْبِيَاءُ؛ تَنَامُ أعْيُنُهُمْ ولَا تَنَامُ قُلُوبُهُمْ، فَتَوَلَّاهُ جِبْرِيلُ ثُمَّ عَرَجَ به إلى السَّمَاءِ.
أخرجه البيهقي (13387) واللفظ له، وابن خزيمة في ((التوحيد)) (51)، وابن منده في ((الإيمان)) (713).
تَولَّى اللهُ سُبحانَه نَبيَّه بالحِفظِ والرِّعايةِ، والمؤانَسةِ، والمُواساةِ في الشَّدائدِ الَّتي قابَلَتْه في سَبيلِ الدَّعوةِ إلى اللهِ.
وفي هذا الحَديثِ يُخبِرُ أنَسُ بنُ مالكٍ رَضيَ اللهُ عنه عن لَيلةِ أُسْريَ بالنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ مِن المَسجِدِ الحرامِ إلى بَيتِ المَقدِسِ، أنَّه جاء للنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ثَلاثةُ نفَرٍ مِنَ المَلائكةِ قبْلَ أنْ يُوحَى إليه، أي: قبْلَ أنْ يُكلِّفَه اللهُ عزَّ وجلَّ بالبَلاغِ، وهو نائمٌ في المَسجِدِ الحَرامِ -وكان صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ نائمًا بيْن اثنَينِ أو أكثرَ- فلمَّا أتَتْه المَلائكةُ ووقَفَت عندَه، تَساءلَ أوَّلُهم: أيُّ الثَّلاثةِ النَّائمينَ يكونُ مُحمَّدٌ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم؟ فقال أوسَطُهم: هو خَيرُهم، يَعني النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، وقال آخِرُهم: خُذوا خَيرَهم للعُروجِ به إلى السَّماءِ، «فكانتْ تلك» القصَّةُ، ولم يقَعْ شَيءٌ آخَرُ مِثلُها حتَّى لَيلةِ الإسْراءِ، ولم يَرَهمُ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ حتَّى جاؤوا إليه لَيلةً أُخْرى بعْدَ أنْ أُوحِيَ إليه، والمُرادُ بها لَيلةُ الإسْراءِ، فيما يَرى قلْبُه، والنَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ نائمةٌ عَيْناه ولا يَنامُ قلْبُه، وكذلك الأنْبياءُ؛ تَنامُ أعينُهم ولا تَنامُ قُلوبُهم، فتَولَّاه جِبريلُ عليه السَّلامُ -وهو الملَكُ الموكَّلُ بالوَحيِ- فقام بشأْنِه، وتوَلَّى إجْراءَ ما جَرى له، ثمَّ عَرَج به إلى السَّماءِ، وفي رِوايةٍ أُخْرى عندَ البُخاريِّ: «فلمْ يُكلِّموه حتَّى احتَمَلوه، فوَضَعوه عندَ بِئرِ زَمزمَ، فتَولَّاه منهم جِبريلُ، فشَقَّ جِبريلُ ما بيْنَ نَحْرِه إلى لَبَّتِه، حتَّى فرَغَ مِن صَدرِه وجَوفِه، فغسَلَه مِن ماءِ زَمزَمَ بيَدِه، حتَّى أَنْقى جَوفَه، ثمَّ أُتِيَ بطَسْتٍ مِن ذَهبٍ، فيه تَوْرٌ مِن ذَهبٍ، مَحشوٌّ إيمانًا وحِكمةً، فحُشِيَ به صَدرُه ولَغاديدُه -يَعْني عُروقَ حَلْقِه- ثمَّ أطبَقَه، ثُمَّ عرَجَ به إلى السَّماءِ الدُّنْيا»، وهذا مِن إعْدادِه للرِّحْلةِ المُبارَكةِ؛ الإسْراءِ والمِعراجِ.