-  ذُكِرَ عِنْدَ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها أنَّ ابْنَ عُمَرَ رَفَعَ إلى النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: إنَّ المَيِّتَ يُعَذَّبُ في قَبْرِهِ ببُكاءِ أهْلِهِ، فقالَتْ: وَهَلَ ؛ إنَّما قالَ رَسولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: إنَّه لَيُعَذَّبُ بخَطِيئَتِهِ وذَنْبِهِ، وإنَّ أهْلَهُ لَيَبْكُونَ عليه الآنَ، قالَتْ: وذاكَ مِثْلُ قَوْلِهِ: إنَّ رَسولَ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قامَ علَى القَلِيبِ وفيهِ قَتْلَى بَدْرٍ مِنَ المُشْرِكِينَ، فقالَ لهمْ ما قالَ: إنَّهُمْ لَيَسْمَعُونَ ما أقُولُ، إنَّما قالَ: إنَّهُمُ الآنَ لَيَعْلَمُونَ أنَّ ما كُنْتُ أقُولُ لهمْ حَقٌّ، ثُمَّ قَرَأَتْ {إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى} [النمل: 80]، {وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ} [فاطر: 22]، يقولُ: حِينَ تَبَوَّؤُوا مَقاعِدَهُمْ مِنَ النَّارِ.

الدلالات الموضوعية:# تفسير آيات - سورة فاطر# تفسير آيات - سورة النمل# مغازي - غزوة بدر# جنائز وموت - الميت يعذب ببكاء أهله عليه# جنائز وموت - البكاء على الميت
المصدر: صحيح البخاري
الراوي: عائشة أم المؤمنين
المحدث: البخاري
الحكم:[صحيح]

بيانات التخريج:

أخرجه البخاري (3978، 3979)، ومسلم (932)

الشرح والتوضيح

قال اللهُ تعالَى: {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [الأنعام: 164] ، فلا يَحمِلُ العَبدُ إلَّا وِزْرَه، وما عَمِلَتْه يَدُه، وهذا مِن عَدْلِه تعالَى، وهو أصلٌ مُهمٌّ مِن أُصولِ الإسْلامِ.

وفي هذا الحَديثِ يَحْكي التَّابِعيُّ عُرْوةُ بنُ الزُّبَيرِ، أنَّه لَمَّا سمِعَتْ أمُّ المؤمِنينَ عائِشةُ رَضيَ اللهُ عنها أنَّ عبدَ اللهِ بنَ عُمَرَ رَضيَ اللهُ عنهما يَرفَعُ حَديثًا، ويَنسُبُه إلى النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، أنَّه قال فيه: «إنَّ المَيِّتَ لَيُعَذَّبُ في قَبرِه ببُكاءِ أهْلِه»، قالت عنه: «وَهَلَ» -بفتْحِ الهاءِ- ابنُ عُمَرَ، أي: نَسِيَ، ويُرْوى بكسْرِ الهاءِ، بمعنى: أخطَأَ، وإنَّما قال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ عن أحَدِ الأمْواتِ: «إنَّه لَيُعَذَّبُ بخَطِيئَتِه وذَنْبِه» في قَبرِه، «وإنَّ أهْلَه لَيَبْكُونَ عليه الآنَ»، أي: إنَّ أهْلَه يَبْكُونَ عليه وهو يُعذَّبُ بخَطيئتِه، فالسَّببُ في تَعذيبِه ليس بُكاءَ أهْلِه عليه، وإنَّما ذُنوبُه وخَطاياهُ.

لكنْ قدْ صَحَّ ما نقَلَه ابنُ عُمَرَ رَضيَ اللهُ عنهما عَنِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أيضًا، وهو مَحمُولٌ على ما إذا أوْصى الميِّتُ أهْلَه بالنُّواحِ عليه، وهو المَقْصودُ بالبُكاءِ، فإنْ لم يُوصِ؛ فإنَّه لا يُعذَّبُ بنُواحِهم عليه.

ثمَّ ذكَرَتْ أمُّ المؤمِنينَ عائِشةُ رَضيَ اللهُ عنها مِثالًا آخَرَ رَأتْ أنَّ ابنَ عُمَرَ رَضيَ اللهُ عنهما نَسِيَ -أو أخْطَأ- فيه، ونقَل خِلافَ ما قالَهُ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، وذلك عندَما قام النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ على القَليبِ، وهو البِئرُ الَّتي أُلْقِيَ فيها قَتْلى المُشرِكينَ يومَ بَدرٍ، وقد كلَّمَهمُ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، وقال لهم: هلْ وجَدْتُم ما وعَدَ ربُّكم حقًّا؟ فنقَل ابنُ عُمَرَ رَضيَ اللهُ عنهما عنِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنَّه قال: «إنَّهم لَيَسْمَعونَ ما أقولُ»، فتَقولُ أمُّ المؤمِنينَ عائِشةُ رَضيَ اللهُ عنها: إنَّه أخْطأَ في نَقلِه هذا، وإنَّ صَوابَه: «إنَّهم لَيَعْلَمونَ ما أقولُ»، فنَفَت عنهمُ السَّماعَ حالَ كَوْنِهم أمْواتًا في قُبورِهم، ثمَّ استَدَلَّت رَضيَ اللهُ عنها على ذلك بقَولِه تعالَى: {إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى} [النمل: 80] ، {وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ} [فاطر: 22] ، حينَ تَبَوَّؤوا مَقاعِدَهم منَ النَّارِ، أي: حينَ أخَذوا مَقاعِدَهم في النَّارِ، وقيلَ في ذلك: إنَّ عِلمَهم لا يَمنَعُ مِن سَماعِهم، ولم تَستنِدْ أمُّ المؤمِنينَ عائِشةُ رَضيَ اللهُ عنها في ذلك إلى حَديثٍ سَمِعَتْه مِن النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ؛ بلِ استَنبَطَت ذلك مِن الآيَتَينِ الكَريمَتَينِ، وفي الاستِدْلالِ بهما نظَرٌ، وأُجيبَ عنِ الآيةِ: بأنَّ الَّذي يُسمِعُهم هو اللهُ تعالَى، والمَعنى: أنَّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ لا يُسمِعُهم، ولكنَّ اللهَ أحْياهُم حتَّى سَمِعوا؛ لأنَّ إسْماعَهم بعْدَ مَوتِهم خَرقٌ للعادةِ، واللهُ عزَّ وجلَّ هو مَن بيَدِه خَرقُ العاداتِ، قال تعالَى: {إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ} [فاطر: 22] .

وفي الحَديثِ: أدَبُ أمِّ المؤمِنينَ عائشةَ رَضيَ اللهُ عنها، وحُسنُ تَعامُلِها معَ مَن تَختَلِفُ معَه.

وفيه: أنَّ رَأيَ الصَّحابيِّ إذا خالَفَ النَّصَّ، فلا اعْتِدادَ به.

وفيه: دَليلٌ على حِرصِ الصَّحابةِ رَضيَ اللهُ عنهم على صحَّةِ نَقلِ السُّنَّةِ النَّبويَّةِ.

الأصول والأحكام

[صحيح البخاري] (5/ 77) :

‌3978 - حدثني عبيد بن إسماعيل: حدثنا أبو أسامة، عن هشام، عن أبيه قال: ذكر عند عائشة رضي الله عنها: أن ابن عمر رفع إلى النبي صلى الله عليه وسلم: إن الميت يعذب في قبره ببكاء أهله.

فقالت: إنما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنه ليعذب بخطيئته وذنبه وإن أهله ليبكون عليه الآن.

3979 - قالت: وذاك مثل قوله: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام على القليب وفيه قتلى بدر من المشركين، فقال لهم ما قال: إنهم ليسمعون ما أقول.

إنما قال: إنهم الآن ليعلمون أن ما كنت أقول لهم حق.

ثم قرأت: {إنك لا تسمع الموتى} {وما أنت بمسمع من في القبور} يقول: حين تبوؤوا مقاعدهم من النار.

صحيح مسلم (2/ 643 ت عبد الباقي) :

26 - (‌932) حدثنا أبو كريب.

حدثنا أبو أسامة عن هشام، عن أبيه، قال: ذكر عند عائشة ؛ أن ابن عمر يرفع إلى النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الميت يعذب في قبره ببكاء أهله عليه".

فقالت: وهل.

إنما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إنه ليعذب بخطيئته أو بذنبه.

وإن أهله ليبكون عليه الآن".

وذاك مثل قوله: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام على القليب يوم بدر.

وفيه قتلى بدر من المشركين.

فقال لهم ما قال: "إنهم ليسمعون ما أقول" وقد وهل.

إنما قال: "إنهم ليعلمون أن ماكنت أقول لهم حق" ثم قرأت: {إنك لا تسمع الموتى}.

[[27 /النمل/ الآية 80]].

{وما أنت بمسمع من في القبور}.

[[35 /فاطر/ الآية 22]].

يقول: حين تبوؤا مقاعدهم من النار.

صحيح مسلم (2/ 643 ت عبد الباقي) :

(932) - وحدثناه أبو بكر بن أبي شيبة.

حدثنا وكيع.

حدثنا هشام بن عروة ، بهذا الإسناد.

بمعنى حديث أبي أسامة.

وحديث أبي أسامة أتم.

أحاديث ذات صلة