قالَ: عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عنْه: قَامَ فِينَا النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ مَقَامًا، فأخْبَرَنَا عن بَدْءِ الخَلْقِ، حتَّى دَخَلَ أَهْلُ الجَنَّةِ مَنَازِلَهُمْ، وأَهْلُ النَّارِ مَنَازِلَهُمْ، حَفِظَ ذلكَ مَن حَفِظَهُ، ونَسِيَهُ مَن نَسِيَهُ.
أخرجه ابن حجر في ((تغليق التعليق)) (3/ 487)، واللفظ له.
لم يَترُكِ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ شَيئًا يَقومُ به صَلاحُ أُمَّتِه ويَنفَعُهم في دُنياهُم وأُخراهم؛ إلَّا أخبَرَهم به، وقد أخبَرَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ عن بِدايةِ الخَلقِ ونِهايَتِه، حتَّى نَستَشعِرَ عَظَمَتَه سُبحانَه.
وفي هذا الحَديثِ يَروي عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ رَضيَ اللهُ عنه، أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قامَ في النَّاسِ مَقَامًا، فخَطَبَ فيهم، وفي حَديثِ أبي زَيدٍ الأنصاريِّ رَضيَ اللهُ عنه عِندَ مُسلِمٍ قال: «صَلَّى بنا رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ الفَجرَ، وصَعِدَ المِنبَرَ، فخَطَبَنا حتَّى حَضَرَتِ الظُّهرُ، فنَزَلَ فصلَّى، ثمَّ صَعِدَ المِنبَرَ، فخَطَبَنا حتَّى حَضَرَتِ العَصرُ، ثمَّ نَزَلَ فصَلَّى، ثمَّ صَعِدَ المِنبَرَ، فخَطَبَنا حتَّى غَرَبَتِ الشَّمسُ، فأخبَرَنا بما كان، وبما هو كائِنٌ»، فبَيَّنَ في هذا المَقامِ المَذكورِ ما كانَ وما يَكونُ، زَمانًا ومَكانًا، وكان على المِنبَرِ مِن أوَّلِ النَّهارِ إلى أنْ غابَتِ الشَّمسُ، فأخبَرَهم عن بَدْءِ الخَلقِ، وعن أوَّلِ شَيءٍ خَلَقَه اللهُ سُبحانَه، وكيف خَلَقَ اللهُ سُبحانَه الخَلقَ، وأخبَرَهم عن كُلِّ شَيءٍ وَقَعَ أو سيَقَعُ ممَّا يَجري عليهم مِنَ الخَيرِ والشَّرِّ، حتَّى إنَّه أخبَرَهم بكُلِّ شَيءٍ سيَحدُثُ يَومَ القيامةِ، حتَّى يَدخُلَ أهلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ، وهُمُ المُؤمِنونَ المُوحِّدونَ، وبَيَّنَ دَرَجاتِهم فيها، وحتَّى يَدخُلَ أهلُ النَّارِ النَّارَ، وهُمُ العُصاةُ والكافِرونَ، وبَيَّنَ دَرَجاتِهم مِنَ العَذابِ فيها، ودَلَّ ذلك على أنَّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أخبَرَ بجَميعِ أحوالِ المَخلوقاتِ مُنذُ ابتَدَأتْ، إلى أنْ تَفْنى، إلى أنْ تُبعَثَ، ولكِنْ حَفِظَ ذلكَ مَن حَفِظَه، ونَسِيَه مَن نَسِيَه، فكان أعلَمُ الناسِ مِنَ الصَّحابةِ بهذه الأُمورِ أكثَرَهم حِفظًا لتلكَ الخُطبةِ.
وفي الحَديثِ: عَلَمٌ مِن أعلامِ نُبُوَّتِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، وإخبارُه بالغَيبيَّاتِ.
وفيه: أنَّ الجَنَّةَ والنَّارَ مَنازِلُ ودَرَجاتٌ.
[صحيح البخاري] (4/ 277) :
وروى عيسى عن رقبة، عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب، قال: سمعت عمر رضي الله عنه يقول: قام فينا النبي صلى الله عليه وسلم مقاما فأخبرنا عن بدء الخلق، حتى دخل أهل الجنة منازلهم وأهل النار منازلهم، حفظ ذلك من حفظه ونسيه من نسيه
تغليق التعليق (3/ 487) :
وأنباني غير واحد من مشايخي عن الحافظ أبي محمد عبد الكريم بن منير الحلبي أن أحمد بن شبيب بن حمدان أخبره أنا عبد القادر بن عبد الله الرهاوي أنا مسعود بن الحسن الثقفي ح وأنباني عاليا محمد بن أحمد ابن علي الفاضلي عن القاسم بن المظفر عن عبد الله بن عمر بن علي قال كتب إلينا مسعود أنا أبو عمرو بن الحافظ أبي عبد الله بن منده أنا أبي في الجزء الخامس عشر من أماليه أنا أبو علي الحسين بن إسماعيل الفارسي ببخارى ثنا صالح بن محمد بن أبي الأشرس ثنا عمر بن محمد ابن حسين البخاري قال قرأت على جدي رجاء بن محمد وكان ثقة عن عيسى ابن موسى عن أبي حمزة عن رقبة بن مصقلة عن قيس بن مسلم عن طارق بن شهاب سمعت عمر بن الخطاب يقول قال فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم مقاما فأخبرنا عن بدء الخلق حتى دخل أهل الجنة منازلهم وأهل النار منازلهم حفظ ذلك من حفظه ونسيه من نسيه
قال ابن منده هذا حديث صحيح غريب تفرد به عيسى بن موسى