كان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ إذا أرادَ أنْ يُحرِمَ ادَّهَنَ بأطْيَبِ دُهنٍ يَجِدُه، حتى إنِّي لَأرى بَصيصَ الدُّهْنِ في شَعْرِه، ولقد كُنتُ أفْتِلُ قَلائِدَ الهَدْيِ لرسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، ثم يَبعَثُ به فما يَعتَزِلُ منَّا امْرَأةً.
أخرجه النسائي (2700، 2778) مفرقا باختلاف يسير، وأخرجه البخاري (5566)، ومسلم (1321) مختصراً بنحوه
بَيَّنَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أحكامَ الحَجِّ والعُمرةِ وسُنَنَهما وآدابَهما، بالقَولِ والفِعلِ، ونَقَلَ الصَّحابةُ ما سَمِعوه وما رَأوْه مِنه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في ذلك، وقد كان صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يُحِبُّ الطِّيبَ ويَستَكثِرُ منه في كُلِّ حالٍ، وهو مِنَ الأُمورِ التي حُبِّبَتْ إليه مِنَ الدُّنيا.
وفي هذا الحَديثِ تُخبِرُ أُمُّ المُؤمِنينَ عائِشةُ رَضيَ اللهُ عنها أنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ كان إذا أرادَ الإحرامَ بالحَجِّ أوِ العُمرةِ، وقَبلَ أنْ يَلبَسَ الإحرامَ وَضَعَ مِنَ الطِّيبِ والرَّوائِحِ العَطِرةِ ما شاءَ، حتى تَرى عائِشةُ رَضيَ اللهُ عنها لَمَعانَ الطِّيبِ في شَعرِ رَأْسِه ولِحيَتِه، وهذا كِنايةٌ عنِ استِكثارِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ مِن هذا الطِّيبِ، والمُرادُ مِن تَطَيُّبِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ مع الإحرامِ أنَّه يَبقى به أثَرُ ذلك الطِّيبِ بَعدَ إحرامِه.ثم أخبَرَتْ عائِشةُ رَضيَ اللهُ عنها عن أمْرٍ آخَرَ، وهو أنَّها كانَتْ تَصنَعُ القَلائِدَ التي كانَتْ تُوضَعُ في رِقابِ الهَدْيِ لِرَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فتَفتِلُها بضَمِّ خُيوطِها بَعضِها إلى بَعضٍ، ثم تُعلَّقُ هذه القَلائِدُ في أعناقِ الهَدْيِ، وهو اسمٌ لِمَا يُهدى ويُذبَحُ في الحَرَمِ مِنَ الإبِلِ والبَقَرِ والغَنَمِ والمَعزِ، ثم يُرسِلُها النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ إلى مَكَّةَ، ويُقيمُ في أهلِه حَلالًا، وهذا في غَيرِ السِّنينِ التي اعتَمَرَ أو حَجَّ فيها، وقَولُها: "فما يَعتَزِلُ مِنَّا امرأةً" هو كِنايةٌ عن وُقوعِ المُعاشَرةِ الزَّوجيَّةِ، والمَعنى: أنَّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ لم يَلتَزِمْ بما يَلتَزِمُ به المُحرِمُ إذا أرسَلَ الهَدْيَ فقط إلى البَيتِ الحَرامِ، ولم يَتلَبَّسْ بالنُّسُكِ.وفي الحَديثِ: مَشروعيَّةُ التَّطيُّبِ قَبلَ الإحرامِ، وإنْ بَقيَ أثَرُ الطِّيبِ بَعدَ الإحرامِ.وفيه: بَيانُ مَشروعيَّةِ إرسالِ المُسلِمِ الهَدْيَ إلى البَيتِ الحَرامِ على كُلِّ حالٍ، سواءٌ نَوى الحَجَّ أو لم يَنْوِه.
[سنن النسائي] (5/ 140) 2700- أخبرنا قتيبة، وهناد بن السري، عن أبي الأحوص، عن أبي إسحاق، عن الأسود، عن عائشة قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم.
وقال هناد: ((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يحرم ادهن بأطيب ما يجده حتى أرى وبيصه في رأسه ولحيته،)) تابعه إسرائيل على هذا الكلام، وقال: عن عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه، عن عائشة.
[سنن النسائي] (5/ 171) 2778- أخبرنا عبد الله بن محمد الضعيف قال: حدثنا أبو معاوية قال: حدثنا الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة قالت: ((كنت أفتل القلائد لهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيقلد هديه ثم يبعث بها، ثم يقيم لا يجتنب شيئا مما يجتنبه المحرم)).
[صحيح البخاري] (7/ 102) 5566- حدثنا أحمد بن محمد: أخبرنا عبد الله: أخبرنا إسماعيل، عن الشعبي، عن مسروق: ((أنه أتى عائشة ، فقال لها: يا أم المؤمنين، إن رجلا يبعث بالهدي إلى الكعبة، ويجلس في المصر فيوصي أن تقلد بدنته، فلا يزال من ذلك اليوم محرما حتى يحل الناس، قال: فسمعت تصفيقها من وراء الحجاب، فقالت: لقد كنت أفتل قلائد هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فيبعث هديه إلى الكعبة، فما يحرم عليه مما حل للرجال من أهله حتى يرجع الناس)).
[صحيح مسلم] (2/ 957 ) ((362- (1321) وحدثنا عبد الله بن مسلمة بن قعنب.
حدثنا أفلح عن القاسم، عن عائشة .
قالت: فتلت قلائد بدن رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي.
ثم أشعرها وقلدها.
ثم بعث بها إلى البيت.
وأقام بالمدينة.
فما حرم عليه شيء كان له حلا)).