- أيُّما رَجُلٍ رَمى بسَهمٍ في سَبيلِ اللهِ عزَّ وجلَّ، فبَلَغَ، مُخطِئًا أو مُصيبًا، فله مِن الأجْرِ كرَقبةٍ يُعتِقُها مِن وَلدِ إسماعيلَ، وأيُّما رَجُلٍ شاب شَيبةً في سَبيلِ اللهِ، فهي له نورٌ، وأيُّما رَجُلٍ مُسلِمٍ أعتَقَ رَجُلًا مُسلِمًا، فكلُّ عُضوٍ مِن المُعتَقِ بعُضوٍ مِن المُعتِقِ فِداءٌ له مِن النَّارِ، وأيُّما امرأةٍ مُسلِمةٍ أعتَقَتِ امرأةً مُسلِمةً، فكلُّ عُضوٍ مِن المُعتَقةِ بعُضوٍ مِن المُعتِقةِ فِداءٌ لها مِن النَّارِ، وأيُّما رَجُلٍ مُسلِمٍ قَدَّمَ للهِ عزَّ وجلَّ مِن صُلبِه ثلاثةً لم يَبلُغوا الحِنثَ ، أو امرأةٍ، فهم له سُترةٌ مِن النَّارِ، وأيُّما رَجُلٍ قام إلى وُضوءٍ يُريدُ الصَّلاةَ، فأحصى الوُضوءَ إلى أماكنِه، سَلِمَ مِن كلِّ ذَنبٍ أو خَطيئةٍ له، فإنْ قام إلى الصَّلاةِ، رَفَعَه اللهُ عزَّ وجلَّ بها دَرجةً، وإنْ قَعَدَ، قَعَدَ سالمًا.
فقال شُرَحبيلُ بنُ السِّمطِ: آنتَ سَمِعتَ هذا الحديثَ مِن رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يا ابنَ عَبَسةَ؟ قال: نَعَمْ، والذي لا إلهَ إلَّا هو، لو أنِّي لم أسمَعْ هذا الحديثَ مِن رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ غيرَ مَرَّةٍ أو مَرَّتَينِ أو ثلاثٍ أو أربعٍ أو خَمسٍ أو ستٍّ أو سَبعٍ -فانتَهى عندَ سَبعٍ-، ما حَلَفتُ -يَعني ما بالَيتُ- ألَّا أُحدِّثَ به أحَدًا مِن النَّاسِ، ولكنِّي واللهِ ما أدري عَددَ ما سَمِعتُه مِن رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ.
أخرجه النسائي (3142) مختصراً، وأحمد (19439) واللفظ له
في هذا الحَديثِ يُعدِّدُ النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أبوابَ الفَضلِ والخَيرِ التي يَنبَغي أنْ يَحرِصَ عليها المُسلِمُ في تَحصيلِ الأجْرِ والثَّوابِ العَظيمِ، فيَقولُ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: "أيُّما رَجُلٍ رَمى بسَهمٍ في سَبيلِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ"، أي: مَن خَرَجَ لِلجِهادِ والقِتالِ في سَبيلِ اللهِ سُبحانَه وتَعالى، وأطلَقَ سَهمَه قاصِدًا به عَدوَّه، "فبَلَغَ، مُخطِئًا أو مُصيبًا" سواءٌ أخطأ هذا السَّهمُ العَدوَّ أم أصابَه فقَتَلَه، "فله مِنَ الأجْرِ كرَقَبةٍ يُعتِقُها" بمَعنى: كان له مِنَ الجَزاءِ والأجْرِ مِثلُ مَن أعتَقَ وحَرَّرَ مَملوكًا وخَلَّصَه مِن ضَرَرِ الرِّقِّ والعُبوديَّةِ، ومَلَّكَه نَفْسَه، وليس هذا فقط، بل كان مِثلَ مَن حَرَّرَ رَقَبةً "مِن وَلَدِ إسماعيلَ"، فيَكونَ مِثلَ مَن أعتَقَ نَفْسًا مِن نَسلِ نَبيِّ اللهِ إسماعيلَ عليه السَّلامُ، وذلك لِشَرَفِهم على غَيرِهم، فهم أفضَلُ أصنافِ الأُمَمِ قَدْرًا وحَسَبًا، وهم أفضَلُ العَرَبِ.
"وأيُّما رَجُلٍ شابَ شَيبةً في سَبيلِ اللهِ، فهي له نورٌ" والشَّيبُ هو تَغيُّرُ لَونِ الشَّعرِ إلى البَياضِ؛ بسَبَبِ كِبَرِ السِّنِّ، والمَقصودُ أنَّ مَن عاشَ عُمُرَه وهو يُجاهِدُ ويُقاتِلُ في سَبيلِ اللهِ، إلى أنْ شابَ وتَغيَّرَ لَونُ شَعرِه، ولو كان شَعرةً واحِدةً، كان جَزاؤُه أنْ يَتحَوَّلَ الشَّعرُ نَفْسُه إلى نورٍ يَهتَدي به صاحِبُه يَومَ القيامةِ، وقيلَ: المَقصودُ بسَبيلِ اللهِ الإسلامُ، أي: بأنْ شابَ شَعرُه وهو يَقومُ بأعمالِ البِرِّ والطاعاتِ وهو مُسلِمٌ.
ثم بَيَّنَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فَضلَ مَن أعتَقَ رَقَبةً بوَجهٍ عامٍّ، فقال: "وأيُّما رَجُلٍ مُسلِمٍ أعتَقَ رَجُلًا مُسلِمًا"، أي: مَن حَرَّرَ عَبدًا مُسلِمًا مِن رِقِّه وعُبوديَّتِه، "فكُلُّ عُضوٍ مِنَ المُعتَقِ بعُضوٍ مِنَ المُعتِقِ فِداءٌ له مِنَ النارِ" بمَعنى أنَّ كُلَّ عُضوٍ مِن أعضاءِ المُعتَقِ الذي حَدَثتْ له الحُرِّيَّةُ مِنَ الرِّقِّ في الدُّنيا، فإنَّ اللهَ يُكافِئُ الذي أعتَقَه وحَرَّرَه بأنْ يُعتِقَ كُلَّ عُضوٍ منه مِنَ النارِ؛ فتَكونَ له السَّلامةُ مِنَ النارِ، "وأيُّما امرأةٍ مُسلِمةٍ أعتَقَتِ امرأةً مُسلِمةً، فكُلُّ عُضوٍ مِنَ المُعتَقةِ بعُضوٍ مِنَ المُعتِقةِ فِداءٌ لها مِنَ النارِ" فتَكونَ مِثلَ الرَّجُلِ تَمامًا في الأجْرِ والعِتقِ مِنَ النارِ؛ جَزاءً على عِتقِه رَقَبةَ عَبدٍ مَملوكٍ.
"وأيُّما رَجُلٍ مُسلِمٍ قَدَّمَ للهِ عَزَّ وجَلَّ مِن صُلبِه ثَلاثةً" ماتوا وهم صِغارٌ "لم يَبلُغوا الحِنثَ" قَبلَ بُلوغِهمُ التَّكليفَ، فلم تُكتَبْ عليهمُ الآثامُ "أوِ امرأةٍ" قَدَّمتِ ثَلاثةً مِن صُلبِها، فلها الأجْرِ نَفسُه مِثلَ الرَّجُلِ، "فهم له سُترةٌ مِنَ النارِ" فيَقيه اللهُ النارَ؛ رَحمةً به؛ لِمَوتِ أولادِه، وخَصَّ الحُكمَ بالذين لم يَبلُغوا الحِنثَ -وهمُ الصِّغارُ-؛ لِأنَّ قَلبَ الوالِدَيْنِ على الصَّغيرِ أرحَمُ وأشفَقُ، دونَ الكَبيرِ؛ لِأنَّ الغالِبَ على الكَبيرِ عَدَمُ السَّلامةِ مِن مُخالَفةِ والِدَيْه.
"وأيُّما رَجُلٍ" والمُرادُ الرَّجُلُ والمَرأةُ، وإنَّما خَرَجَ الكَلامُ مَخْرَجَ الغالِبِ، "قامَ إلى وُضوءٍ" تَوجَّهَ لِلوُضوءِ بالماءِ فتَوضَّأ وُضوءًا كامِلًا "يُريدُ الصَّلاةَ" فكانَ وُضوؤُه هذا لِأجْلِ الصَّلاةِ "فأحصى الوُضوءَ إلى أماكِنِه" بأنْ غَسَلَ أعضاءَ الوُضوءِ وأعطى كُلَّ عُضوٍ حَقَّه مِنَ الماءِ والغَسلِ الجَيِّدِ، "سَلِمَ مِن كُلِّ ذَنبٍ أو خَطيئةٍ له" يعني: مَحا اللهُ عنه ذُنوبَه وأعمالَه الفاسِدةَ، وهو خاصٌّ بغُفرانِ ما دونَ الكَبائِرِ؛ لِأنَّ لِتَكفيرِ الكَبيرةِ شأنًا آخَرَ "فإنْ قامَ إلى الصَّلاةِ" بهذا الوُضوءِ التامِّ "رَفَعَه اللهُ عَزَّ وجَلَّ بها دَرَجةً" أعطاه اللهُ مَنزِلةً رَفيعةً عاليةً في الجَنَّةِ، أو زادَه بها حَسَنةً "وإنْ قَعَدَ" فلم يَقُمْ إلى الصَّلاةِ بهذا الوُضوءِ، "قَعَدَ سالِمًا" مِنَ الخَطايا بَعدَ غُفرانِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ له، ويَنبَغي لِلمُتطَهِّرِ أنْ يَستَحضِرَ مع غَسلِ أعضائِه ذُنوبَه وخَطاياه، ويَعزِمَ على التَّوبةِ منها، فيُطهِّرَ بَدَنَه ظاهِرًا وباطِنًا، لِيَصلُحَ لِلوُقوفِ بَينَ يَدَيِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ.
"فقال شُرَحبيلُ بنُ السِّمطِ" لِعَمرِو بنِ عَبَسةَ رَضيَ اللهُ عنه، راوي هذا الحَديثِ: "آنتَ سَمِعتَ هذا الحَديثَ مِن رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يا ابنَ عَبَسةَ؟" وهذا استِفهامٌ لِلتَّوثُّقِ مِنَ السَّماعِ؛ لِعِظَمِ ما وَرَدَ في الحَديثِ، وليس تَكذيبًا لِلرَّاوي، فقال ابنُ عَبَسةَ: "نَعَمْ، والذي لا إلهَ إلَّا هو" وهذا قَسَمٌ باللهِ الواحِدِ "لو أنِّي لم أسمَعْ هذا الحَديثَ مِن رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ غَيرَ مَرَّةٍ أو مَرَّتَيْنِ أو ثَلاثٍ أو أربَعٍ أو خَمسٍ أو سِتٍّ أو سَبعٍ -فانتَهى عِندَ سَبعٍ-، ما حَلَفتُ -يَعني: ما بالَيتُ- ألَّا أُحدِّثَ به أحَدًا مِنَ الناسِ، ولكِنِّي واللهِ ما أدري عَدَدَ ما سَمِعتُه مِن رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ" فهو يُؤكِّدُ أنَّه سَمِعَ هذا الكَلامَ مِنَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ كَثيرًا مِنَ المَرَّاتِ؛ ولذلك حَدَّثَ به لِيَنتَفِعَ الناسُ به، ولِيَتعَلَّموا السُّنَّةَ النَّبويَّةَ.
وفي الحَديثِ: أنَّ الجَزاءَ مِن جِنسِ العَمَلِ.
وفيه: فَضلُ الجِهادِ والرَّميِ في سَبيلِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ.
وفيه: فَضلُ إعتاقِ الرِّقابِ.
وفيه: بَيانُ أجْرِ مَن عاشَ عُمُرَه في الطاعةِ للهِ، وفي الإسلامِ.
وفيه: فَضلُ مَن صَبَرَ على المُصيبةِ في الوَلَدِ، واحتِسابِ الأجْرِ عِندَ اللهِ عَزَّ وجَلَّ.
وفيه: فَضلُ الوُضوءِ، وأنَّه يُكفِّرُ الذُّنوبَ.
[سنن النسائي] (6/ 26) 3142- أخبرنا عمرو بن عثمان بن سعيد بن كثير، قال: حدثنا بقية، عن صفوان، قال: حدثني سليم بن عامر، عن شرحبيل بن السمط أنه قال لعمرو بن عبسة: يا عمرو ، حدثنا حديثا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((من شاب شيبة في سبيل الله تعالى كانت له نورا يوم القيامة، ومن رمى بسهم في سبيل الله تعالى بلغ العدو أو لم يبلغ كان له كعتق رقبة، ومن أعتق رقبة مؤمنة كانت له فداءه من النار عضوا بعضو)).
[مسند أحمد] (32/ 183 ط الرسالة) ((19438- حدثنا هاشم، حدثني عبد الحميد، حدثني شهر، حدثني أبو طيبة قال: إن شرحبيل بن السمط دعا عمرو بن عبسة السلمي، فقال: يا ابن عبسة ، هل أنت محدثي حديثا سمعته أنت من رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس فيه تزيد ولا كذب، ولا تحدثنيه عن آخر سمعه منه غيرك؟ قال: نعم، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (( إن الله عز وجل يقول: قد حقت محبتي للذين يتحابون من أجلي، وحقت محبتي للذين يتصافون من أجلي، وحقت محبتي للذين يتزاورون من أجلي، وحقت محبتي للذين يتباذلون من أجلي، وحقت محبتي للذين يتناصرون من أجلي)).
[مسند أحمد] (32/ 185 ط الرسالة)
((19439- وقال عمرو بن عبسة: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (( أيما رجل رمى بسهم في سبيل الله عز وجل، فبلغ مخطئا، أو مصيبا، فله من الأجر كرقبة يعتقها من ولد إسماعيل، وأيما رجل شاب شيبة في سبيل الله، فهي له نور، وأيما رجل مسلم أعتق رجلا مسلما، فكل عضو من المعتق بعضو من المعتق فداء له من النار، وأيما امرأة مسلمة أعتقت امرأة مسلمة فكل عضو من المعتقة بعضو من المعتقة فداء لها من النار، وأيما رجل مسلم قدم لله عز وجل من صلبه ثلاثة لم يبلغوا الحنث، أو امرأة، فهم له سترة من النار، وأيما رجل قام إلى وضوء يريد الصلاة- فأحصى الوضوء إلى أماكنه- سلم من كل ذنب أو خطيئة له، فإن قام إلى الصلاة، رفعه الله عز وجل بها درجة، وإن قعد، قعد سالما)).
فقال شرحبيل بن السمط: آنت سمعت هذا الحديث من رسول الله صلى الله عليه وسلم يا ابن عبسة؟ قال: نعم، والذي لا إله إلا هو، لو أني لم أسمع هذا الحديث من رسول الله صلى الله عليه وسلم غير مرة أو مرتين أو ثلاث أو أربع أو خمس أو ست أو سبع- فانتهى عند سبع- ما حلفت، يعني ما باليت أن لا أحدث به أحدا من الناس، ولكني والله ما أدري عدد ما سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم)).