- قلتُ : يا رسولَ اللَّهِ قد كانوا ينتفِعونَ مِن ضحاياهُم، يحملونَ مِنها الودَكَ ويتَّخذونَ مِنها الأسقيةَ قالَ : وما ذاكَ ؟ قالت : نَهَيتَ عن إمساكِ لحومِ الأضاحيِّ بعد ثلاثٍ قالَ : إنَّما نَهَيتُكُم للدَّافَّةِ الَّتي دفَّت فَكُلوا وتزَوَّدوا وتصدَّقوا
أخرجه مسلم (1971)، وأبو داود (2812)، ومالك (1766) جميعًا بلفظه مطولًا .
المُجتمعُ المسلِمُ مُترابطٌ كالجسَدِ الواحدِ؛ متى نزَلَتْ بأحدِهم نازلةٌ، تكاتَفَ الجميعُ لإزالتِها عنه، ومِن هذا المعنى ما جاءَ في هذا المتْنِ الذي هو جُزءٌ مِن حديثٍ عندَ مُسلمٍ، وفيه تَحكي أمُّ المؤمنينَ عائشةُ رضِيَ اللهُ عنها: "دَفَّ أهلُ أبياتٍ مِن أهلِ الباديةِ حضْرةَ الأضْحى زمَنَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ"، والمعنى: أنَّهم أقْبَلوا مِن الباديةِ بسَببِ ضِيق أحوالِهِم، والجُوعِ الذي أصابَهُم؛ رَجاءَ أنْ يَحصُلوا على شَيءٍ مِن اللَّحمِ عندَ دُخولِ عيدِ الأضْحى، فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: "ادَّخِروا ثلاثًا، ثمَّ تَصدَّقوا بما بقِيَ"، أي: أمَرَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أصحابَ الأضاحي أنْ يُبقُوا عندَهم ما يَكْفيهم ثلاثةَ أيَّامٍ مِن الأضحيَّةِ، ثمَّ يَتصدَّقوا بما بقِيَ، قالت عائشةُ رضِيَ اللهُ عنها: "قلتُ: يا رسولَ اللهِ، قد كانوا يَنتفِعون مِن ضَحاياهم" جمْعُ ضَحيَّةٍ؛ وهي ما يُذبَحُ تقرُّبًا للهِ تعالى في عِيدِ الأضْحى، والمُرادُ أنَّ عائشةَ ذكَرَت عن الناسِ في العامِ التَّالي -كما في رِوايةِ مُسلمٍ- أنَّهم كانوا يتَّخِذون مِن الأضاحي ما قد يُنتفَعُ به وليس مُجرَّدَ الطَّعامِ، إشارةً منهم للنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ؛ لِيُبيحَ لهم ما قد نَهى عنه، ومِن تلك المنافعِ: "يَجْمُلون منها الودَكَ"، أي: يُذِيبون منها الدُّهنَ ودَسَمَ اللَّحمِ، "ويتَّخِذون منها"، أي: مِن جُلودِها "الأسقيةَ" جمْعُ سِقاءٍ، أي: القِرْبةَ التي يُحفَظُ فيها الماءُ، "قال: وما ذاك؟" أي: ما الذي منَعَهم مِن ذلك؟ "قالت: نَهَيتَ عن إمساكِ لُحومِ الأضاحي بعدَ ثلاثٍ" يَحتمِلُ أنْ يكونَ ابتداءُ الثلاثِ مِن يَومِ ذَبْحِها، ويَحتمِلُ مِن يومِ النَّحرِ وإنْ تأخَّرَ ذَبْحُها إلى أيَّامِ التَّشريقِ، فبيَّنَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ لها سببَ ذلك، فقال: "إنَّما نَهيتُكم للدَّافَّةِ التي دفَّتِ"، ودافَّةُ الأعرابِ: مَن يَرِدُ منهم المِصْرَ، والمرادُ هنا مَن ورَدَ مِن ضُعفاءِ الأعرابِ للمُواساةِ، أي: كان سببُ منْعِ الادِّخارِ مَجِيءَ هؤلاء ومَشروعيَّةَ إكرامِهم، أمَا وقد زالَتِ الضَّرورةُ "فكُلوا وتَزوَّدوا وتَصدَّقوا"، أي: أباح لهم النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ الانتفاعَ بما ذكَروا، وكذلك أباحَ ادِّخارَ اللَّحمِ فوقَ ثلاثٍ، مع ما يَشتمِلُ ذلك مِن الصَّدقةِ، فأظهَرَ لهم أنَّ حُكمَ النَّهيِ كان لوقتٍ مَخصوصٍ لحالةٍ كانت قائمةً، فإنْ زالَت زال معها الحُكْمُ.
وفي الحديثِ: مُراعاةُ أحوالِ الناسِ ومصالحِهم، والحثُّ على التَّكافُلِ الاجتماعيِّ بيْن المؤمنينَ.
وفيه: أدَبُ الصحابةِ رضِيَ اللهُ عنهم، وطاعتُهم لرسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ.
وفيه: الحدُّ والمنعُ مِن بعضِ المباحاتِ؛ للضَّرورةِ والمَصْلحةِ العامَّة إذا رآها الحاكمُ المؤتَمَنُ( ).
[صحيح مسلم] (3/ 1561 ) :
28 - (1971) حدثنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي.
أخبرنا روح.
حدثنا مالك عن عبد الله ابن أبي بكر، عن عبد الله بن واقد.
قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أكل لحوم الضحايا بعد ثلاث.
قال عبد الله ابن أبي بكر: فذكرت ذلك لعمرة فقالت: صدق.
سمعت عائشة تقول:
دف أهل أبيات من البادية حضرة الأضحى، زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (ادخروا ثلاثا.
ثم تصدقوا بما بقي) فلما كان بعد ذلك قالوا: يا رسول الله! إن الناس يتخذون الأسقية من ضحاياهم ويجملون منها الودك.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (وما ذاك؟) قالوا: نهيت أن تؤكل لحوم الضحايا بعد ثلاث.
فقال: (إنما نهيتكم من أجل الدافة التي دفت.
فكلوا وادخروا وتصدقوا).
سنن أبي داود (3/ 99) :
2812 - حدثنا القعنبي، عن مالك، عن عبد الله بن أبي بكر، عن عمرة بنت عبد الرحمن، قالت: سمعت عائشة ، تقول: دف ناس من أهل البادية حضرة الأضحى في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ادخروا الثلث، وتصدقوا بما بقي.
قالت: فلما كان بعد ذلك قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله لقد كان الناس ينتفعون من ضحاياهم، ويجملون منها الودك، ويتخذون منها الأسقية فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وما ذاك؟ - أو كما قال - قالوا: يا رسول الله نهيت عن إمساك لحوم الضحايا بعد ثلاث؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنما نهيتكم من أجل الدافة التي دفت عليكم، فكلوا وتصدقوا وادخروا .
موطأ مالك - رواية يحيى (3/ 691 ت الأعظمي) :
1766/ 474 - مالك ، عن عبد الله بن أبي بكر ، عن عبد الله بن واقد ، أنه قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم، عن أكل لحوم الضحايا بعد ثلاث.
قال عبد الله بن أبي بكر: فذكرت ذلك لعمرة بنت عبد الرحمن ، فقالت: صدق.
سمعت عائشة زوج النبي تقول: دف ناس من أهل البادية حضرة الأضحى، في زمان النبي عليه السلام.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ادخروا لثلاث.
وتصدقوا بما بقي.
قالت: فلما كان بعد ذلك، قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: لقد كان الناس ينتفعون بضحاياهم، ويجملون منها الودك، ويتخذون منها الأسقية.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وما ذاك؟ أو كما قال.
قالوا: نهيت عن لحوم الضحايا بعد ثلاث.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنما نهيتكم من أجل الدافة التي دفت عليكم.
فكلوا، وتصدقوا، وادخروا.
يعني بالدافة، قوما مساكين قدموا المدينة .