اشتَكى ابنٌ لأبي طَلحَةَ وراحَ إلى المسجِدِ وتوفِّيَ الغُلامُ فهيَّأتْ أمُّ سُلَيمٍ أمرَ بيتِها ونشَرَت عشاءَها وقالَت لأهلِها لا يذكُرَنَّ أحدٌ منكُم لأبي طَلحَةَ وفاةَ ابنِهِ فرجَع أبو طلحَةَ ومعهُ أناسٌ من أصحابِهِ من أهلِ المسجِدِ فقالَ ما فعلَ الغُلامُ فقالَت أمُّ سُلَيمٍ خيرَ ما كانَ فقدَّمَت عشاءَه فتعشَّى وأصحابُهُ فلمَّا خرَجوا عنهُ قامَت إلى ما تَقومُ إليهِ المرأةُ فلمَّا كانَ مِن آخِرِ اللَّيلِ قالَت ألم ترَ يا أبا طَلحَةَ إلى آلِ فلانٍ استَعاروا عاريَةً فتَمتَّعوا بها فلمَّا طُلِبَت إليهِم شقَّ عليهِم قال ما أنصَفوا قالَت إن فلانًا لابنها كانَ عاريةً من اللهِ تعالى فقبضَه فاستَرجَعَ ثُمَّ غدا علَى رسولِ الله صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ فقالَ باركَ الله لكُما في ليلتِكما فحمَلَت بعبدِ اللهِ فلَمَّا ولدَت ولدَت ليلًا فكرِهَت أن تحنِّكَهُ حتَّى يُحنِّكَهُ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ قال فغدوتُ بهِ وتمراتِ عجوَةٍ فأتيتُ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ وهو يَهنَأُ أباعِرَ له ويَسِمُها فقلتُ يا رسولَ اللهِ ولدَت أمُّ سُلَيم الليلةَ فكرهتُ أن تُحنِّكَهُ حتَّى تحنِّكَهُ أنتَ قالَ معكَ شيءٌ قلتُ تمراتُ عجوَةٍ فأخذَ بعضَ ذلكَ التَّمرَ فمصَّهُ فجمَعَ بزاقَهُ فأوجَرَهُ إيَّاهُ فتلَمَّظَ الصَّبيُّ فقالَ حِبُّ الأنصارِ التَّمرُ قلتُ سّمِّهِ يا رسولَ اللهِ قال هوَ عبدُ اللهِ
أخرجه أبو يعلى (3882)، وابن عساكر في ((معجم الشيوخ)) (1/137) واللفظ له
الحُزنُ على المُصابِ غَريزةٌ طبيعيَّةٌ، يَسْتطيعُ أن يتغلَّبَ عليها المُؤْمِنُ بالتحلِّي بِشَيْءٍ مِنَ الصَّبرِ، والرِّضا بقَضاءِ اللهِ وقَدَرِهِ، والتَّسليمِ لأَمْرِهِ.
وفي هذا الحَديثِ يُخبِرُ أنسُ بنُ مالكٍ رضِيَ اللهُ عنه: "اشْتَكَى"، أي: مَرِضَ "ابْنٌ لأبي طَلْحَةَ" وهو زَوْجُ أُمِّ أنسِ بنِ مالكٍ، وقد جاءَ في صَحيحِ ابْنِ حِبَّانَ أنَّ هذا الابنَ هو أبو عُمَيرٍ الَّذي كان النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يُداعِبُهُ بقوْلِهِ: يا أبا عُمَيرٍ، ما فَعَلَ النُّغَيْرُ؟ "وراحَ إلى المسْجِدِ"، أي: ذَهَبَ أبو طَلْحَةَ إلى المسْجِدِ، "وَتُوفِّيَ الغُلامُ، فهَيَّأَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ أَمْرَ بيتِها ونَشَرَتْ عَشاءَها"، أي: أَحْضَرَتْ طعامًا شهيًّا، "وقالتْ لأَهْلِها: لا يَذْكُرَنَّ أحَدٌ منكم لأبي طَلْحَةَ وَفاةَ ابْنِهِ، فرَجَعَ أبو طَلْحَةَ، ومعه أُناسٌ من أصْحابِهِ من أهْلِ المسْجِدِ، فقال: ما فَعَلَ الغُلامُ؟ فقالتْ أُمُّ سُلَيْمٍ: خيرُ ما كان" فظَنَّ أبو طَلْحَةَ رضِيَ اللهُ عنه أنَّ الصَّبيَّ قد تَحَسَّنَتْ صِحَّتُهُ، وسَكَنَتْ آلامُهُ، وأخْلَدَ إلى النَّوْمِ، فباتَ مع امرأتِهِ "فقَدَّمَتْ عَشاءَهُ، فتَعَشَّى وأَصْحابُهُ، فلما خَرَجوا عنه، قامتْ إلى ما تَقومُ إليه المرأةُ" وهذا كنايةٌ عن قِيامِها إلى التزيُّنِ والاستعدادِ للجِماعِ والمُعاشَرَةِ، "فلمَّا كان من آخِرِ اللَّيْلِ" بعدَما أتاها زَوجُها وعاشرَها مُعاشرَةَ الأزواجِ وهو لا يَعلمُ بموتِ وَلدِه، "قالتْ: ألمْ تَرَ يا أبا طَلْحَةَ إلى آلِ فُلانٍ اسْتَعاروا عارِيَّةً"، أي: أَخَذوا شيئًا على سَبيلِ السَّلَفِ من غَيْرِهِم "فتَمَتَّعوا بها، فلما طُلِبَتْ إليهم، شَقَّ عليهم،"، أي: صَعُبَ عليهم رَدُّ السَّلَفِ المُسْتَعارِ "قال: ما أَنْصَفوا"، أي: لم يَعْدِلوا، "قالتْ: إنَّ فُلانًا لابْنِها كان عارِيَّةً منَ اللهِ تعالى فقَبَضَهُ"، أي: ماتَ وتوَفَّاهُ اللهُ، وهذا مِن حُسْنِ عَزاءِ المرأةِ لزَوْجِها ومن حِكمةِ هذه الصَّحابيةِ الفَقيهةِ كذلك، "فاسْتَرْجَعَ"، أي: قال: إنَّا للهِ وإنَّا إليهِ راجِعونَ! "ثم غَدَا على رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم"، أي: ذَهَبَ مُبَكِّرًا إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فأخْبَرَهُ القِصَّةَ كُلَّها "فقال: بارَكَ اللهُ لكما في ليلَتِكُما"، أي: أرْجو اللهَ أنْ يُبارِكَ لكما في ليلتِكما ويُعوِّضَكما عن فقيدِكما بالخَلَفِ الصَّالِحِ، فاسْتَجابَ اللهُ دَعْوةَ نبيِّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، "فحَمَلَتْ بعَبْدِ اللهِ، فلما وَلَدَتْ وَلَدَتْ ليْلًا، فكَرِهَتْ أنْ تُحَنِّكَهُ حتى يُحَنِّكَهُ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم" والتَّحْنيكُ: أنْ يَمْضُعَ المرءُ التَّمْرَ أو شيئًا حُلْوًا، ثُمَّ يَدلُكَ به حَنَكَ المولودِ، وتُحَكَّ فيه حتَّى تتحلَّلَ في فمِهِ، وكانوا يَفعلون ذلك تبرُّكًا بريقِهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم.
قال أنسٌ رضِيَ اللهُ عنه: "فغَدَوْتُ به"، أي: ذَهَبَ أنسٌ بأخيهِ المولودِ صباحًا إلى النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لِيُحَنِّكَهُ، "وتَمراتُ عَجْوَةٍ، فأَتَيْتُ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، وهو يَهْنَأُ أَباعِرَ له"، أي: يُفلِّي ويُنَظِّفُ جَمالًا له من القَمْلِ والحَشَراتِ، "وَيَسِمُها"، أي: يَجْعَلُ لها عَلامَةً بالكَيِّ في أفْخاذِها أو مُؤخِّراتِها؛ لتُحْدِثَ فيها وَسْمًا، أي: عَلامَةً خاصَّةً تُميِّزُها عن غيْرِها، "فقُلْتُ: يا رسولَ اللهِ، وَلَدَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ اللَّيْلَةَ، فكَرِهَتْ أنْ تحنِّكَهُ حتى تُحنِّكَهُ أنْتَ، قال: معك شَيْءٌ؟ قلت: تَمراتُ عَجْوَةٍ، فأَخَذَ بعْضَ ذلك التَّمْرِ، فمَصَّه فجَمَع بُزاقَه فأوْجَره إيَّاه"، أي: وَضعَه في فَمِ الطِّفلِ، "فتَلَمَّظَ الصَّبيُّ"، أي: سالَ لُعابُهُ تَشهِّيًا مع التَّمْرِ "فقال: حُبُّ الأنْصارِ التَّمْرَ"، أي: عادةُ الأنصارِ في حُبِّ التَّمْرِ منذُ صِغرهِم، وقيلَ المعنى: انْظُروا إلى حُبِّ الأنصارِ التَّمْرَ، "قُلتُ: سَمِّهِ يا رسولَ اللهِ قال: هو عَبْدُ اللهِ"، وهذا مِن أَحَبِّ الأسْماءِ إلى اللهِ، وقد نَشأَ عبدُ اللهِ، وقرَأَ العِلمَ، وجاءَه عَشرةُ أولادٍ كُلُّهم قَرؤُوا -أي: حفِظوا- القرآنَ، وروَى أكثرُهم العِلمَ، منهم: إسحاقُ بنُ عبدِ اللهِ بن أبي طلحةَ -شيخ الإمامِ مالكٍ.
وفي الحديثِ: فَضْلُ أُمِّ سُلَيْمٍ رضِيَ اللهُ عنها، واتِّصافُها بالصَّبرِ على البَلاءِ، والرِّضا بالقَضاءِ، والتَّسليمِ لأَمْرِ اللهِ في الضَّرَّاءِ، مع الحِكمةِ في الإخبارِ بالمُصيبةِ.
وفيه: فَضْلُ الصَّبْرِ، وعاقبتُهُ الحميدةُ، والتَّعويضُ العاجِلُ لكُلِّ مَن صَبَرَ عندَ الصَّدْمةِ الأُولى.
وفيه: أنَّ المرأةَ تتزيَّنُ لزَوْجِها تعرُّضًا للجِماعِ.
وفيه: ذِكْرُ المَعاريضِ المُوهِمَةِ إذا دعَتِ الضَّرورةُ إليها، بشَرْطِ ألَّا تُبطِلَ حَقًّا لمُسْلِمٍ.
وفيه: اعتناءُ الإمامِ بأَمْوالِ الصَّدَقةِ، وتَولِّيها بنَفْسِه .
مسند أبي يعلى (6/ 472 ت حسين أسد) :
3882 - حدثنا زهير، حدثنا عبد الله بن بكر، حدثنا حميد، عن أنس قال: اشتكى ابن لأبي طلحة، فراح إلى المسجد، وتوفي الغلام، فهيأت أم سليم أمر بيتها، ويسرت عشاءه، وقالت لأهلها: لا يذكرن أحد منكم لأبي طلحة وفاة ابنه، فرجع أبو طلحة ومعه ناس من أصحابه من أهل المسجد، فقال: ما فعل الغلام؟ فقالت أم سليم: خير ما كان، فقدمت عشاءه فتعشى وأصحابه، فلما خرجوا عنه قامت إلى ما تقوم إليه المرأة، فلما كان من آخر الليل قالت: ألم تر يا أبا طلحة آل فلان استعاروا عارية فتمتعوا بها، فلما طلبت إليهم، شق عليهم فقال: ما أنصفوا، قالت: إن فلانا - ابنها - كان عارية من الله فقبضه، فاسترجع، ثم غدا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: بارك الله لكما في ليلتكما، فحملت بعبد الله ، فلما ولدت ليلا فكرهت أن تحنكه حتى حنكه رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فغدوت به وتمرات عجوة فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو يهنأ أباعر له ويسمها - فقلت: يا رسول الله، ولدت أم سليم الليلة، فكرهت أن تحنكه حتى تحنكه أنت، قال: معكم شيء؟، قلت: تمرات عجوة، فأخذ بعض ذلك التمر فمضغه، فجمع بزاقه فأوجره فتلمظ الصبي فقال: حب الأنصار التمر، فقلت: سمه يا رسول الله، قال: هو عبد الله.
[معجم الشيوخ] (1/ 137) :
148- أخبرنا إبراهيم بن أحمد بن محمد بن علي أبو إسحاق العطائي المروروذي الفقيه المفتي قراءة عليه وأنا أسمع بمرو الشاهجان أبنا أبو علي الحسين بن محمد الإمامي المروروذي بها ثنا الشيخ أبو عمر بكر بن أبي بكر محمد بن جعفر بن موسى المزني ثنا أبو بكر محمد بن عبد الله حفيد العباس بن حمزة ثنا أبو علي الحسين بن الفضل بن عمر بن القاسم البجلي ثنا أبو عبد الله بن بكر السهمي ثنا حميد عن أنس قال اشتكى ابن لأبي طلحة وراح إلى المسجد وتوفي الغلام فهيأت أم سليم أمر بيتها ونشرت عشاءها وقالت لأهلها لا يذكرن أحد منكم لأبي طلحة وفاة ابنه فرجع أبو طلحة ومعه أناس من أصحابه من أهل المسجد فقال ما فعل الغلام فقالت أم سليم خير ما كان فقدمت عشاءه فتعشى وأصحابه فلما خرجوا عنه قامت إلى ما تقوم إليه المرأة فلما كان من آخر الليل قالت ألم تر يا أبا طلحة إلى آل فلان استعاروا عارية فتمتعوا بها فلما طلبت إليهم شق عليهم قال ما أنصفوا قالت إن فلانا لابنها كان عارية من الله تعالى فقبضه فاسترجع ثم غدا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال بارك الله لكما في ليلتكما فحملت بعبد الله فلما ولدت ولدت ليلا فكرهت أن تحنكه حتى يحنكه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: فغدوت به وتمرات عجوة فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو يهنأ أباعر له ويسمها فقلت يا رسول الله ولدت أم سليم الليلة فكرهت أن تحنكه حتى تحنكه أنت قال معك شيء قلت تمرات عجوة فأخذ بعض ذلك التمر فمصه فجمع بزاقه فأوجره إياه فتلمظ الصبي فقال حب الأنصار التمر قلت سمه يا رسول الله قال هو عبد الله.
حديث صحيح.