أنَّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم كان يخاتل النظر ليرمي عينه بالمدرى
أخرجه البخاري (6242)، ومسلم (2157)، وأبو داود (5171) بمعناه.
نَهتِ الشَّريعةُ عَنِ التَّجسُّسِ، وعَن تتبُّعِ عَوْراتِ النَّاسِ، وانتهاكِ حُرُماتِهم وبُيوتِهم، وهذا الحَديثُ يَرْويهِ أنسُ بنُ مالكٍ رضِيَ اللهُ عنه، وله قِصَّةٌ كما في الصَّحيحيْنِ، وذلك "أنَّ رَجُلًا اطَّلعَ في جُحْرٍ فِي بابِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، ومع رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مِدْرًى" وهو شَيْءٌ يُعمَلُ مِن حديدٍ أو خَشَبٍ على شَكلِ سِنٍّ مِن أسْنانِ الْمُشطِ وأَطْوَلَ منه، وكان صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يُسرِّحُ بها رأْسَهُ، فلمَّا رآهُ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: "لو أَعْلَمُ"، أي: يقينًا "أنَّكَ تَنْظُرُني"، أي: تُطالِعُ فيَّ قَصْدًا أو عمْدًا لَطَعَنْتُ به في عينِكَ، وقال أنسٌ في تِلك الرِّوايةِ: "أنَّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم كان يُخاتِلُ النَّظَرَ"، أي: يُخادِعُ ويُراوِغُ ويَتَخَبَّأُ ويَمْشي قليلًا قليلًا لئلَّا يُحَسُّ به؛ "لِيَرْميَ عَيْنَهُ بالمِدْرَى"، أي: لِيُصيبَ عَيْنَ الناظِرِ المتلَصِّصِ بما في يَدَيْهِ من المِدْرَى، وفي رِوايةِ البُخاريِّ: " يَخْتِلُ الرَّجُلَ لِيَطْعَنَهُ" ثُمَّ قال صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في رِوايَةِ الصَّحيحيْنِ: "إنَّما جُعِلَ الإذْنُ مِن قِبَلِ البَصَرِ"، أي: أنَّ الاسْتِئْذانَ مَشْروعٌ ومَأْمورٌ به، وإنَّما جُعِلَ؛ لِئلَّا يَقَعَ البَصَرُ على الحَرامِ، فلا يَحِلُّ لِأحَدٍ أنْ ينْظُرَ فى جُحْرِ بابٍ ولا غَيْرِهِ مِمَّا هو مُتَعرَّضٌ فيه.
وفي الحديثِ: تَحريمُ النَّظَرِ إلى داخِلِ بيْتِ غيرِهِ بغَيرِ إذنِه.
وفيه: أنَّ لصاحِبِ البيْتِ أنْ يَفْقَأَ عَيْنَ المتلَصِّصِ، وهي هَدَرٌ، ولا دِيَةَ فيها .