حاصرْنا تُسْتَرَ فنزَل الهُرْمُزَانُ على حُكمِ عمرَ رضي الله عنه فقدمْتُ به على عمرَ ، فلما انتهينا إليه قال له عمرُ رضي الله عنه : تكلَّمْ ، قال : كلامَ حيٍّ أو كلامَ ميِّتٍ ؟ قال : تكلَّمْ لا بأسَ ، قال : إنا أو إياكم يا معشرَ العربِ ما خلَّى اللهُ بينَنا وبينَكم ، كنا نَتَعبَّدُكم ونقتُلُكم ونغصِبُكم ، فلما كان اللهُ معكم لم يكنْ لنا يدانِ ، فقال عمرُ رضي الله عنه : ما تقولُ ؟ فقلتُ : يا أميرَ المؤمنينَ تركتُ بعدي عدوًّا كثيرًا وشَوْكةً شديدةً ، فإنْ قتلتَه يئِسُ القومُ مِنَ الحياةِ ويكونُ أشدَّ لشوكتِهم ، فقال عمرُ رضي الله عنه : أَستحيي قاتلَ البراءِ بنِ مالكٍ ومَجْزَأةَ بنِ ثَوْرٍ ! فلما خشيتُ أنْ يقتُلَه قلتُ : ليس إلى قتلِه سبيلٌ قد قلتَ له : تكلَّمْ لا بأسَ ، فقال عمرُ رضي الله عنه : ارتشَيْتَ وأصبتَ منه ؟ فقال : واللهِ ما ارتشَيْتُ ولا أصبتُ منه ، قال : لتأتيَنِّي على ما شهدتَ به بغيرِك أو لابُدَّ أنْ تشهدَ بعقوبتِك ، قال : فخرجتُ فلقيتُ الزبيرَ بنَ العوامِ فشهِدَ معي وأمسك عمرُ فأسلم الهُرمزانُ وفرَض له
أخرجه الشافعي في (المسند) (1/317)، وابن أبي شيبة (33402)، والبيهقي (18183) ومطولا.
بَعَثَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ رضِيَ اللهُ عنه النَّاسَ في نَواحي الأمْصارِ مَن يُقاتِلونَ المُشرِكينَ، ومن ذلك أرْضُ فارِسَ، وقد أَسْلَمَ بعْضُ قادَتِها، ومنهم الهُرْمُزانُ، وَذَلك بَعدَ هَزيمةِ الفُرْسِ وَدُخولِ المُسلِمينَ المَدائِنَ.
وفي هذا الحديثِ يقولُ أنسُ بنُ مالكٍ رضِيَ اللهُ عنه: "حاصَرْنا تُسْتَرَ" وهي مَدينَةٌ مَشْهورةٌ بخُراسانَ "فَنَزَلَ الهُرْمُزانُ" وهو لَقَبٌ لبَعْضِ أكابِرِ الفُرْسِ، واسْمُه رُسْتُمُ، وقيل: الهُرْمُزانُ مَلِكُ الأهْوازِ أَسْلَمَ وقَتَلَه عُبَيْدُ اللهِ بنُ عُمَرَ اتِّهامًا أنَّه قاتِلُ أبيهِ أو الآمِرُ به، "علَى حُكْمِ عُمَرَ رضِيَ اللهُ عنه"، أي: رَضِيَ بحُكْمِ عُمَرَ فيه، وأَسْلَمَ طائِعًا "فقَدِمْتُ به على عُمَرَ، فلمَّا انْتَهَيْنا إليه، قال له عُمَرُ رضِيَ اللهُ عنه: تَكَلَّمْ، قال: كَلامَ حَيٍّ أو كَلامَ مَيِّتٍ؟"، أي: أتَكَلَّمُ بكلامِ مَنْ له الأمانُ على حَياتِهِ أمِ المُهدَّدِ بالمَوْتِ، فقال عُمَرُ رضِيَ اللهُ عنه: "تَكَلَّمْ لا بَأْسَ"، أي: لا خَطَرَ عليك، فَكَانَ ذَلِك عهْدًا وأمانًا من عُمَرَ، رضِيَ الله تَعالى عَنهُ، قال الهُرْمُزانُ: "إنَّا أو إيَّاكم -يا مَعْشَرَ العَرَبِ- ما خَلَّى اللهُ بيننا وبينكم، كُنَّا نَتعبَّدُكم"، أي: نَتَّخِذُكم عبيدًا ونَسْتَذِلُّكم، "ونَقْتُلُكم ونَغْصِبُكم"، أي: نُكْرِهُكُم، "فلمَّا كان اللهُ معكم لم يَكُنْ لنا يَدانِ"، أي: لم يكن لنا قَوَّةٌ أمامَ قُوَّةِ اللهِ التي أيَّدكم بها، فقال عُمَرُ رضِيَ اللهُ عنه: "ما تقولُ؟" وهذا كلامٌ مُوجَّهٌ من عُمَرَ لأنسِ بنِ مالكٍ، "فقلتُ: يا أميرَ المُؤْمِنينَ تركْتُ بعدي عَدُوًّا كثيرًا وشَوْكَةً شديدةً"، أي: للعَدُوُّ قُوَّةٌ شديدةٌ "فإنْ قَتَلْتَهُ يَئِسَ القَوْمُ من الحَياةِ، ويكونُ أَشَدَّ لشَوْكَتِهِم" لأنَّهم يَعْلَمون أنَّ حَياتَهُم ومَماتَهُم سَواءٌ " فقال عُمَرُ رضِيَ اللهُ عنه: أَسْتَحْيِي"، أي: أَأَتْرُكُهُ حيًّا وهو "قاتِلُ البراءِ بنِ مالكٍ ومَجْزأةَ بنِ ثَوْرٍ!" وكان الهُرْمزانُ قد قَتَلَهُما، والمَقْصِدُ أنَّ عُمَرَ رضِيَ اللهُ عنه يُريدُ أنْ يَقْتُلَ الهُرْمُزانَ لقَتْلِهِ بعْضَ الصَّحابَةِ، ويُريدُ أنسٌ أنْ يَعْفُوَ عنه لمَصْلَحَةٍ عامَّةٍ، قال أنسٌ رضِيَ اللهُ عنه: "فلمَّا خَشِيتُ أنْ يَقْتُلَه، قلتُ: ليس إلى قَتْلِهِ سَبيلٌ، قد قلتَ له: تكلَّمْ لا بَأْسَ"، أي: أنَّ عُمَرَ قد سَبَقَ وأَعْطاهُ الأمانَ، وهو بهذا لا يَحِلُّ قَتْلُه، وكأنَّ عُمَرَ نَسِيَ عَهْدَه للهُرْمُزانِ، فقال عُمَرُ لأنسٍ رضِيَ اللهُ عنهما: "ارْتَشَيْتَ وأَصَبْتَ منه؟"، أي: أعْطاكَ الهُرْمُزانُ رِشْوةً منَ المالِ، وأَخَذْتَها لِتُدافِعَ عنه، واتِّهامُ عُمَرَ لِأَنَسٍ بهذا هو من بابِ الاحْتِياطِ والتثبُّتِ، فقال أنسٌ: "واللهِ ما ارْتَشَيْتُ ولا أَصَبْتُ منه" فقال له عُمَرُ: "لَتَأْتِيَنِّي على ما شَهِدْتَ به بغيْرِكَ أو لأَبْدَأَنَّ بعُقُوبَتِكَ" طَلَبَ عُمَرُ من أنسٍ مَنْ يَشْهَدُ على ادِّعائِهِ هذا، قال أنسٌ: "فخَرَجْتُ فلَقِيتُ الزُّبَيْرَ بنَ العَوَّامِ فشَهِدَ معي"، وفي رِوايَةِ ابنِ زَنْجَوَيْهِ في الأموالِ: "فإذا الزُّبَيْرُ بنُ العَوامِ قد حَفِظَ ما حَفِظْتُ"، أي: كان الزُّبَيْرُ حَضِرَ وسَمِعَ ما قد سَمِعَهُ أنسٌ رضِيَ اللهُ عنه، "وَأَمْسَكَ عُمَرُ"، أي: كَفَّ عن عُقُوبَةِ أنسٍ، وعن قَتْلِ الهُرْمُزانِ، "فأَسْلَمَ الهُرْمُزانُ وفُرِضَ له"، أي: فَرَضَ له عُمَرُ في عَطاءِ المُسْلِمينَ.
وفي الحديثِ: مُشاوَرَةُ مَن كان ممَّن يُظَنُّ عِندَه الرأيُ والمَعرِفَةُ.
وفيه: إعطاءُ الأمانِ لِمَن طلَبَه مِن العَدوِّ، بحَسَبِ تَقديرِ الإمامِ للمَصلحةِ في ذلك .
مسند الشافعي (ص: 317) أخبرنا الثقفي، عن حميد، عن أنس رضي الله عنه قال: " حاصرنا تستر فنزل الهرمزان على حكم عمر رضي الله عنه، فقدمت به على عمر فلما انتهينا إليه قال له عمر: تكلم، قال: كلام حي أو كلام ميت؟ قال: تكلم لا بأس، قال: إنا وإياكم معاشر العرب، ما خلا الله بيننا وبينكم، كنا نتعبدكم ونقتلكم ونغصبكم، فلما كان الله معكم لم يكن لنا يدان، فقال عمر: ما تقول؟ فقلت: يا أمير المؤمنين، تركت بعدي عدوا كثيرا وشوكة فإن قتلته ييأس القوم من الحياة ويكون أشد لشوكتهم، فقال عمر: استحي، قاتل البراء بن مالك ومجزأة بن ثور، فلما خشيت أن يقتله قلت: ليس إلى قتله سبيل، قد قلت له: تكلم لا بأس، فقال عمر رضي الله عنه: ارتشيت وأصبت منه، فقلت: والله ما ارتشيت ولا أصبت منه، قال: لتأتيني على ما شهدت به بغيرك أو لأبدأن بعقوبتك، قال: فخرجت فلقيت الزبير بن العوام فشهد معي، وأمسك عمر، وأسلم وفرض له "
مصنف ابن أبي شيبة (6/ 511) 33402 - حدثنا مروان بن معاوية، عن حميد، عن أنس قال: حاصرنا تستر فنزل الهرمزان على حكم عمر، فبعث به أبو موسى معي فلما قدمنا على عمر سكت الهرمزان فلم يتكلم فقال عمر: تكلم فقال: كلام حي أو كلام ميت؟ قال: فتكلم فلا بأس فقال: أنا وإياكم معشر العرب ما خلى الله بيننا، وبينكم، كنا نقتلكم ونقصيكم، فإذا كان الله معكم لم يكن لنا بكم يدان قال: فقال عمر: ما تقول يا أنس؟ قال: قلت: يا أمير المؤمنين، تركت خلفي شوكة شديدة وعددا كثيرا، إن قتلته أيس القوم من الحياة، وكان أشد لشوكتهم، وإن استحييته طمع القوم فقال: يا أنس: أستحيي قاتل البراء بن مالك ومجزأة بن ثور فلما خشيت أن يبسط عليه قلت له، ليس لك إلى قتله سبيل فقال عمر: " لم؟ أعطاك؟ أصبت منه؟ قلت: ما فعلت ولكنك قلت له: تكلم فلا بأس فقال: لتجيئن بمن يشهد معك، أو لأبدأن بعقوبتك قال: فخرجت من عنده فإذا بالزبير بن العوام قد حفظ ما حفظت، فشهد عنده فتركه، وأسلم الهرمزان وفرض له "
السنن الكبرى للبيهقي (9/ 164) 18183 - أخبرنا أبو زكريا بن أبي إسحاق، ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، أنبأ الربيع بن سليمان، أنبأ الشافعي، أنبأ الثقفي، عن حميد، عن أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: حاصرنا تستر فنزل الهرمزان على حكم عمر رضي الله عنه، فقدمت به على عمر رضي الله عنه، فلما انتهينا إليه، قال له عمر رضي الله عنه: " تكلم "، قال: كلام حي، أو كلام ميت؟ قال: " تكلم لا بأس ".
قال: إنا وإياكم معاشر العرب ما خلى الله بيننا وبينكم، كنا نتعبدكم ونقتلكم ونغصبكم، فلما كان الله معكم لم يكن لنا يدان.
فقال عمر رضي الله عنه: " ما تقول؟ ".
فقلت: يا أمير المؤمنين، تركت بعدي عدوا كثيرا وشوكة شديدة، فإن قتلته يأيس القوم من الحياة ويكون أشد لشوكتهم.
فقال عمر رضي الله عنه: " أستحيي قاتل البراء بن مالك ومجزأة بن ثور؟ فلما خشيت أن يقتله قلت: ليس إلى قتله سبيل، قد قلت له: تكلم لا بأس.
فقال عمر رضي الله عنه: " ارتشيت وأصبت منه ".
فقال: والله ما ارتشيت ولا أصبت منه.
قال: " لتأتيني على ما شهدت به بغيرك أو لأبدأن بعقوبتك ".
قال: فخرجت، فلقيت الزبير بن العوام رضي الله عنه، فشهد معي، وأمسك عمر رضي الله عنه، وأسلم، يعني الهرمزان وفرض له