- انتَعِلُوا وتخفَّفُوا، وخالِفُوا أهلَ الكتابِ
أخرجه البيهقي في ((شعب الإيمان)) (6405)
حَرَصَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ على تَمييزِ الأُمَّةِ الإسلاميةِ عن غَيْرِها من الأُمَمِ؛ فَنَهانا عن التشبُّهِ بالكُفَّارِ، وأَمَرَ بمُخالَفَةِ أهلِ الكِتابِ.
وهذا الحَديثُ جُزْءٌ من حديثٍ طويلٍ، يقولُ فيه أبو أُمامةَ الْباهِليُّ رضِي اللهُ عنه: "خَرَجَ رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ على قَوْمٍ من الأَنْصَار بِيضٌ لِحَاهُمْ"، أي: شَعرُ لِحيتِهم أبيضُ من أَثَرِ الشَّيْبِ وكِبَرِ السِّنِّ، "فقال: يا مَعْشَرَ الأَنْصار، حَمِّرُوا وَصَفِّرُوا"، أي: غَيِّرُوا هذا الشَّعرَ الأبيضَ باللَّوْنِ الأحمرِ أو الأصفرِ بالحِنَّاءِ وغَيْرِها، "وخَالِفُوا أهْلَ الكِتَاب"، وَهُمْ أَهْلُ اليَهُوديةِ والنَّصْرانيةِ؛ وذلك أنَّهم يَتْرُكون شَعرَ لِحَاهُمْ دُون صَبْغِهِ؛ فهذا من بابِ مُخالَفَةِ أَهْلِ الكِتابِ وهو أصلٌ مُطَّرِدٌ في شِرعةِ الإسلامِ في أمورٍ كثيرةٍ، فقالوا: يا رسولَ الله، إنَّ أهْلَ الكِتَاب يُقَصِّرُون عَثَانِينَهُمْ"، أي: يُقَصِّرون شَعرَ لِحاهُمْ، والعَثانِينُ جَمْعٌ، ومُفردُهُ عُثْنُونٌ، وهو الشَّعرُ أسْفلَ الذَّقنِ، "وَيُوَفِّرون سِبَالَهُمْ" وَهِي أطْرافُ الشَّوَارِبِ، والمَعْنَى أنَّ اليهودَ كانوا يَقُصُّون لِحَاهُمْ ويَتْرُكُون شَوَارِبَهُم، "فقال رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: وَفِّروا عَثانِيَّكُم"، أي: أَطِيلوا اللِّحَى، "وَقُصُّوا سِبالَكُمْ" وهي الشَّوارِبُ، فقال الأنصارُ: "يا رسولَ اللهِ، إنَّ أهلَ الكِتابِ يُخَفِّفون ولا يَنْتَعِلون"، أي: يَلْبَسُون الخُفَّ ولا يَلْبَسُون النِّعَالَ في صَلَاتِهِم، وَالنَّعْلُ: حِذَاءٌ يُلْبَسُ في القَدَمِ لِيَحْمِيَهَا عندَ المَشْيِ، والغَالِبُ فيه أنَّه لا يَسْتُرُ القَدَمَ، وَالخُفُّ يَسْتُرُها؛ فقال النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: "انتَعِلوا وتَخَفَّفوا"، أي: الْبَسوا النِّعالَ والخِفافَ في الصلاةِ إنْ كانتْ طاهِرَةً، ثم قال "وَخالِفوا أهْلَ الكِتابِ"، أي: اليهودَ والنَّصارى.
وقد ثَبَتَ في السُّنَنِ أنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ كان يُصلِّي حافيًا ومُنْتَعِلًا، وكان مَسْجِدُ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ مَفْروشًا بالرَّملِ والحَصْباءِ؛ فكان لا يَتَأَثَّرُ بدُخُولِه بالنِّعالِ، أمَّا المساجدُ اليومَ وقَدْ فُرِشَتْ بالسَّجَّادِ، فدُخُولُها بالنِّعالِ قد يُؤدِّي إلى تَراكُمِ الأَوْساخِ في المَسْجِدِ وتَنْفيرِ المُسْلِمينَ من السُّجودِ مكانَها؛ فلا يُصلَّي فيها بالنِّعالِ مِن هذا الجانبِ( ).
شعب الإيمان (5/ 214 ت زغلول) :
6405 - أخبرنا أبو الحسن بن أبي بكر الأهوازي أنا أبو بكر بن محمويه العسكري ثنا أحمد بن عثمان السكوني ثنا عيسى بن هلال ثنا يزيد بن عبيد ثنا عبيد الله بن العلاء بن زيد قال: سمعت القاسم مولى ابن يزيد يحدث عن أبي أمامة قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم على قوم من الأنصار بيض لحاهم فقال: يا معشر الأنصار حمروا وصفروا وخالفوا أهل الكتاب فقالوا يا رسول الله إن أهل الكتاب يقصون عثانينهم ويوفرون سبالهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وفروا عثانينكم وقصروا سبالكم فقالوا يا رسول الله إن أهل الكتاب يخففون ولا ينتعلون قال: انتعلوا وتخففوا وخالفوا أهل الكتاب.