الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله .. وبعد:
فقد اختلف العلماء في وجوب تغطية الوجه والكفين من المرأة أمام الأجانب . فمذهب الإمام
أحمد
والصحيح من مذهب
الشافعي
أنه يجب على المرأة ستر وجهها وكفيها أمام الرجال الأجانب ، لأن الوجه والكفين عورة بالنسبة للنظر ، ومذهب
أبي حنيفة ومالك
أن تغطيتهما غير واجبة ، بل مستحبة ، لكن أفتى علماء الحنفية والمالكية منذ زمن بعيد أنه يجب عليها سترهما عند خوف الفتنة بها أو عليها. والمراد بالفتنة بها : أن تكون المرأة ذات جمال فائق ، والمراد بخوف الفتنة عليها أن يفسد الزمان، بكثرة الفساد وانتشار الفساق .
وعلى هذا يمكن أن يقال إن فقهاء المذاهب الأربعة متفقون على وجوب ستر وجه المرأة عند خوف الفتنة وفساد الزمن.
وأما الأدلة على وجوب الستر من القرآن والسنة فكثيرة منها : 1- قوله تعالى ( يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين ) [الأحزاب:59] . وقد قرر أكثر المفسرين أن معنى الآية : الأمر بتغطية الوجه ، فإن الجلباب هو ما يوضع على الرأس ، فإذا اُدنِي ستر الوجه ، وقيل : الجلباب ما يستر جميع البدن ، وهو ما صححه الإمام
القرطبي ،
وأما قوله تعالى في سورة النور ( إلا ما ظهر منها ) فأظهر الأقوال في تفسيره : أن المراد ظاهر الثياب كما هو قول
ابن مسعود
رضي الله عنه ، أو ما ظهر منها بلا قصد كأن ينكشف شيء من جسدها بفعل ريح أو نحو ذلك . والزينة في لغة العرب ما تتزين به المرأة مما هو خارج عن أصل خلقتها كالحلي والثياب ، فتفسير الزينة ببعض بدن المرأة كالوجه والكفين خلاف الظاهر . 2- آية الحجاب وهي قوله تعالى ( وإذا سألتموهن متاعاً فاسألوهن من وراء حجاب ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن ) [الأحزاب:53] . وهذه الطهارة ليست خاصة بأمهات المؤمنين ، بل يحتاج إليها عامة نساء المؤمنين ، بل سائر النساء أولى بالحكم من أمهات المؤمنين الطاهرات المبرءات. 3- قوله تعالى ( وليضربن بخمرهن على جيوبهن ) [النور:31] . وقد روى
البخاري
عن
عائشة
رضي الله عنها قالت
" لما أنزلت هذه الآية أخذن أزرهن. فشققنها من قبل الحواشي فاختمرن بها " .
قال الحافظ
ابن حجر
:
( فاختمرن ) أي غطين وجوههن.
.4- قوله تعالى: ( والقواعد من النساء اللاتي لا يرجون نكاحاً فليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن غير متبرجات بزينة وأن يستعففن خير لهن)[النور:60] ، فدل الترخيص للقواعد من النساء وهن الكبيرات اللاتي لا يشتهين بوضع ثيابهن ، والمقصود به ترك الحجاب ، بدليل قوله بعد ذلك: ( غير متبرجات بزينة ) أي غير متجملات ، فيما رخص لهن بوضع الثياب عنه وهو الوجه ، لأنه موضع الزينة ، دلّ هذا الترخيص للنساء الكبيرات أن غيرهن ، وهن الشواب من النساء مأمورات بالحجاب وستر الوجه ، منهيات عن وضع الثياب ، ثم ختمت الآية بندب النساء العجائز بالاستعفاف ، وهو كمال التستر طلباً للعفاف ( وأن يستعففن خير لهن).5- روى
الترمذي
وغيره من حديث
أبي هريرة
أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :
" المرأة عورة فإذا خرجت استشرفها الشيطان ".
وهذا دليل على أن جميع بدن المرأة عورة بالنسبة للنظر . 6- وعن
ابن عمر
أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :
" لا تنتقب المرأة المحرمة ولا تلبس القفازين "
رواه
البخاري
وغيره . قال الإمام
أبوبكر بن العربي :
وذلك لأن سترها وجهها بالبرقع فرض إلا في الحج ، فإنها ترخي شيئا من خمارها على وجهها غير لاصق به، وتعرض عن الرجال ويعرضون عنها.
انتهى من عارضة
الأحوذي .
وقد قالت أم المؤمنين
عائشة
رضي الله عنها :
كنا إذا مر بنا الركبان – في الحج- سدلت إحدانا الجلباب على وجهها ، فإذا جاوزونا كشفناه .
إلى غير ذلك من الأدلة : وننصحك بقراءة كتاب " عودة الحجاب " للدكتور
محمد أحمد إسماعيل
، القسم الثالث من الكتاب ، للوقوف على الأدلة مفصلة والله أعلم .