الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:
ففريضة الحج لم يأت وجوبها فى سورة الحج، بل أظهر الأقوال أنه قد جاء فى قوله تعالى :
وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا
{آل عمران: 97 }،
وتاريخ فرض الحج فيه اختلاف بين أهل العلم، وقد فصل القول في ذلك
ابن عاشور
في التحرير والتنوير عند تفسير الآية السابقة حيث قال :
ويتجه أن تكون هذه الآية هي التي فرض بها الحج على المسلمين ، وقد استدل بها علماؤنا على فرضية الحج ، فما كان يقع من حج النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين قبل نزولها ، فإنما كان تقربا إلى الله ، واستصحابا للحنفية . وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم حج مرتين بمكة قبل الهجرة ووقف مع الناس ، فأما إيجاب الحج في الشريعة الإسلامية فلا دليل على وقوعه إلا هذه الآية، وقد تمالأ علماء الإسلام على الاستدلال بها على وجوب الحج ، فلا يعد ما وقع من الحج قبل نزولها وبعد البعثة إلا تحنثا وتقربا ، وقد صح أنها نزلت سنة ثلاث من الهجرة ، عقب غزوة أحد ، فيكون الحج فرض يومئذ
.
وذكر
القرطبي
الاختلاف في وقت فرضية الحج على ثلاثة أقوال فقيل :
سنة خمس ، وقيل : سنة سبع ، وقيل : سنة تسع ، ولم يعز الأقوال إلى أصحابها ، سوى أنه ذكر عن ابن هشام ، عن أبي عبيد الواقدي أنه فرض عام الخندق ، بعد انصراف الأحزاب ، وكان انصرافهم آخر سنة خمس .
قال
ابن إسحاق
:
وولي تلك الحجة المشركون . وفي مقدمات ابن رشد ما يقتضي أن الشافعي يقول : إن الحج وجب سنة تسع ، وأظهر من هذه الأقوال قول رابع تمالأ عليه الفقهاء وهو أن دليل وجوب الحج قوله تعالى :
وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا
.
وقد استدل الشافعي بها على أن وجوبه على التراخي ، فيكون وجوبه على المسلمين قد تقرر سنة ثلاث ، وأصبح المسلمون منذ يومئذ محصرين عن أداء هذه الفريضة إلى أن فتح الله مكة ووقعت حجة سنة تسع
. انتهى
وسبب تسمية سورة الحج بهذا الاسم ذكره
ابن عاشور
أيضا بقوله :
ووجه تسميتها سورة الحج أن الله ذكر فيها كيف أمر إبراهيم عليه السلام بالدعوة إلى حج البيت الحرام ، وذكر ما شرع للناس يومئذ من النسك تنويها بالحج وما فيه من فضائل ومنافع ، وتقريعا للذين يصدون المؤمنين عن المسجد الحرام وإن كان نزولها قبل أن يفرض الحج على المسلمين بالاتفاق ، وإنما فرض الحج بالآيات التي في سورة البقرة وفي سورة آل عمران .
إلى أن قال :
وقال الجمهور هذه السورة بعضها مكي وبعضها مدني وهي مختلطة ، أي لا يعرف المكي بعينه ، والمدني بعينه . قال ابن عطية : وهو الأصح .
انتهى .
والله أعلم .