الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:
فقد حث الشرع على حفظ الأمانة ونهى عن تضييعها وأمر بأدائها إلى أهلها حيث قال تعالى :
إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا
{النساء: 58} قال الإمام
ابن كثير
في تفسيره :
يخبر تعالى أنه يأمر بأداء الأمانات إلى أهلها ، وفي حديث الحسن عن سمرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : أد الأمانة إلى من ائتمنك ، ولا تخن من خانك . رواه الإمام أحمد وأهل السنن ، وهذا يعم جميع الأمانات الواجبة على الإنسان من حقوق الله عز وجل على عباده من الصلوات والزكوات والصيام والكفارات والنذور وغير ذلك مما هو مؤتمن عليه ولا يطلع عليه العباد ، ومن حقوق العباد بعضهم على بعض كالودائع وغير ذلك مما يأتمنون به بعضهم على بعض من غير اطلاع بينة على ذلك ، فأمر الله عز وجل بأدائها فمن لم يفعل ذلك في الدنيا أخذ منه ذلك يوم القيامة ، كما ثبت في الحديث الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لتؤدن الحقوق إلى أهلها حتى يقتص للشاة الجماء من القرناء
. انتهى
فتضييع الأمانة معصية ومخالفة لأوامر الشرع بحفظها وأدائها لأهلها .
والخيانة هي عدم نصح صاحب الأمانة ، بتضييعها والغدر بصاحبها الذي يعتقد أن من ائتمنه سيحفظ أمانته. ففي لسان العرب
لابن منظور
:
الخون أن يؤتمن الإنسان فلا ينصح ، خانه يخونه خونا وخيانة وخانة ومخانة
. انتهى
وقال
القرطبي
في تفسيره :
والخيانة : الغدر وإخفاء الشيء، ومنه :
يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ {غافر: 19} وكان عليه الصلاة والسلام يقول : اللهم إني أعوذ بك من الجوع فإنه بئس الضجيع ، ومن الخيانة فإنها بئست البطانة . خرجه النسائي عن أبي هريرة .
انتهى
ومن صدرت منه خيانة فالواجب عليه أن يتوب إلى الله توبة صادقة ، ومن صدق توبته رد الحق إلى صاحبه، ففي تفسير
الطبري
عند تفسير قوله تعالى :
وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى
...الآية {النساء:
115}
ونزلت هذه الآية في الخائنين الذين ذكرهم الله في قوله :
وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا {النساء:
105} لما أبى التوبة من أبى منهم ، وهو طعمة بن الأبيرق ، ولحق بالمشركين من عبدة الأوثان بمكة مرتداً ، مفارقاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم ودينه .
انتهى ، وللفائدة راجع الفتوى رقم :
64189
، والفتوى رقم :
1794
.
والله أعلم .