الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:
فلا يجوز الإقدام على تفسير القرآن الكريم بالرأي المجرد من غير بصيرة بلسان العرب وأساليب كلامهم، ومعرفة أسباب النزول، والناسخ والمنسوخ، وكلام السلف والخلف. قال
السيوطي
رحمه الله تعالى:
أجمعوا على حظر تفسير القرآن بالرأي من غير لغة ولا نقل
. اهـ.
وقد استدل العلماء على ذلك بقوله سبحانه:
وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ
.
وبما رواه
أبو داود والترمذي
والنسائي
أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
من قال في القرآن برأيه وبما لا يعلم فليتبوأ مقعده من النار
. وقوله:
من قال في القرآن برأيه فقد أخطأ
. رواه
أبو داود والنسائي
.
وبهذا تعلم خطورة الإقدام على تفسير القرآن بالرأي، ومنه قولك في تفسير الآيتين اللتين سألت عنهما، إذ معنى "انكحوا" في آية النساء: تزوجوا. قال في لسان العرب:
نكح فلان امرأة ينكحها إذا تزوجها
. قال
الأعشى
في نكح بمعنى تزوج.
ولا تقربن جارة أن سرها * عليك حرام فانكحن أو تأبدا
الأزهري
:
وقوله عز وجل:
الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ
{النور: 3} تأويله: لا يتزوج الزاني إلا زانية، وكذلك الزانية لا يتزوجها إلا مشرك.
وللفائدة راجع الفتوى رقم:
10994
.
وأما قوله سبحانه في آية القصص:
أَنْ أُنْكِحَكَ
.
فمعناه أن أزوجك.
قال في لسان العرب:
وأنكحه المرأة زوجه إياها
.
وبهذا يتبين لك الفرق بين الفعلين في الآيتين، وأن نكح يختلف عن أنكح، فنكح متعد لفعل واحد. وقوله تعالى:(
فَانْكِحُوا
)
في سورة النساء فعل أمر من نكح. وأما قوله تعالى: (
أَنْ أُنْكِحَكَ
)
. فهو متعد لمفعولين، وهو مضارع ماضيه أنكح، بهمزة القطع.
على أن ما توهمه السائل فاسد من جهة المعنى أيضا، وذلك أنا لو سلمنا له أن معنى(
فَانْكِحُوا
)
تزوجوا اليتامى ذكورا وإناثا يبقى ما تعلق بالفعل من قوله تعالى:
مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ
إلى آخر الآية. وهو أمر واضح.
والله أعلم.