الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:
فإن الرحمة معناها في اللغة: الرأفة، واللين، والعطف.
قال
ابن فارس
في مقاييس اللغة:
الراء والحاء والميم أصل واحد، يدل على الرقة والعطف والرأفة. يقال من ذلك رحمه يرحمه، إذا رق له وتعطف عليه..
. اهـ.
والرحمة صفة من صفات الله الذاتية والفعلية، فهو رحمن الدنيا والآخرة.
وحدث -جل وعلا- عن رحمته فِي كتابه، فقال:
وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ
{الأعراف:
156}.
وتطلق الرحمة على الجنة، كما قال الله تبارك وتعالى:
وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ
[آل عمران:
107].
وفي الحديث القدسي يقول الله -تبارك وتعالى- للجنة:
أنت رحمتي، أرحم بك من أشاء
. متفق عليه.
وتطلق على الرزق، والمطر، كما قال تعالى:
وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ
{الأعراف: 57}، وقال الله عز وجل:
فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِ الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
{الروم: 50}.
قال
ابن منظور
في لسان العرب:
قال الأزهري: قال عكرمة في قوله: ابتغاء رحمة من ربك ترجوها: أي رزق، ولئن أذقنا الإنسان منا رحمة ثم نزعناها منه: أي رزقا، وإذا أذقنا الناس رحمة من بعد ضراء: أي حيا وخصبا بعد مجاعة، وأراد بالناس الكافرين. ..
اهـ.
وقول الداعي: اللهم ارحمني، يدخل فيها هذه الأمور وغيرها من رحمة الله الواسعة، التي وسعت كل شيء.
قال
ابن القيم
في بدائع الفوائد:
واعلم أن الرحمة المضافة إلى الله -تعالى- نوعان:
أحدهما: مضاف إليه إضافة مفعول إلى فاعله.
والثاني: مضاف إليه إضافة صفة إلى الموصوف بها.
فمن الأول قوله في الحديث الصحيح: "احتجت الجنة والنار" فذكر الحديث وفيه "فقال: للجنة إنما أنت رحمتي، أرحم بك من أشاء" رواه مسلم وأحمد. فهذه رحمة مخلوقة، مضافة إليه إضافة المخلوق بالرحمة إلى الخالق -تعالى- وسماها رحمة؛ لأنها خلقت بالرحمة وللرحمة، وخص بها أهل الرحمة
وإنما يدخلها الرحماء، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: "خلق الله الرحمة يوم خلقها مائة رحمة، كل رحمة منها طباق ما بين السماء والأرض" رواه مسلم والحاكم، وروى البخاري نحوه، ومنه قوله تعالى: {وَلَئِنْ أَذَقْنَا الإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً} ومنه تسميته تعالى للمطر رحمة بقوله: {وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ} ..
.
اهـ.
والله أعلم.