الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:
فعقد الإجارة لا يصح إلا بمعلومية الأجرة، فإذا جُهلت فسدت الإجارة، وإذا فسدت الإجارة واستوفيت المنفعة -كما في حالكم- لزم أجرة المثل.
قال
ابن قدامة
في (المغني):
إن استوفى المنفعة في العقد الفاسد فعليه أجر المثل، وبه قال مالك والشافعي
. اهـ.
وقال شيخ الإسلام
ابن تيمية
:
العوض في العقود الفاسدة هو نظير ما يجب في الصحيح عرفًا وعادة، كما يجب في البيع والإجارة الفاسدة ثمن المثل وأجرة المثل
. اهـ.
وأجرة المثل يحكم بها أهل الخبرة في مجال هذا العمل في بلدكم، وراجعي في ذلك
الفتوى:
110748
.
و
إذا ثبتت الأجرة في ذمة المستأجر، فأكلها بالباطل ولم يدفعها لصاحبها، فقد باء بإثم عظيم، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
قال الله تعالى: ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة، رجل أعطى بي ثم غدر، ورجل باع حرًا فأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيرًا فاستوفى منه ولم يعطه أجره
. رواه
البخاري
،
وبوَّب عليه:
باب إثم من منع أجر الأجير
.
وقد أمر صلى الله عليه وسلم بتعجل بذل الأجرة لصاحبها فقال:
أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه
. رواه
ابن ماجه
، وقوَّاه
البوصيري
و
المنذري
، وصححه
الألباني
و
الأرنؤوط
.
وليس من حق الطبيب ولا غيره أن يستعمل أدوات غيره إلا بإذنه، فإن فعل فقد خان الأمانة، وأكل مال غيره بالباطل، وقد قال تعالى:
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ
[النساء: 29]، ويزيد الأمر حرجاً إذا صرح ووعد بعدم استعمالها، ثم خالف وعده، وكذب في قوله، وقد قال تعالى:
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ
{الأنفال: 27} وقال عز وجل:
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ
[المائدة: 1] وقال سبحانه:
إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها
[النساء: 58].
وأما عدم مطالبة السائلة بأجرتها بسبب حرجها؛ فهذا يرجع إليها، فإن شاءت طالبت، وإن شاءت سكتت، وإن شاءت عفت.
والله أعلم.