الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:
فلا يخفى أنه يسوغ الدعاء بـ: يا عظيم؛ لأن العظيم اسم من أسماء الله تعالى، وقد قال تعالى:
وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا
{الأعراف:
180}.
وقال سبحانه:
قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى
{الإسراء:
110}.
وأما إضافته لضمير المتكلمين -عظيمنا؛ فلا نرى أنه يسوغ؛ لأن الإضافة قيدت العظمة، أو خصصتها بالمتكلمين، فضيَّقتها، وحقُّها التعميم، والإطلاق، فالله تعالى هو العظيم مطلقا، وليس للإضافة هنا معنى مفيد، بخلاف الإضافة في: ربنا - فهي تفيد تشريف الداعي، واختصاصه بالقرب من ربه، والاعتراف له بالعبودية، كما قال
الطاهر ابن عاشور
في التحرير والتنوير:
تعبيرهم في دعائهم بوصف -ربنا- دون اسم الجلالة؛ لما في وصف الربوبية من الدلالة على الشفقة بالمربوب، ومحبة الخير له، ومن الاعتراف بأنهم عبيده، ولتتأتى الإضافة المفيدة التشريف والقرب
. اهـ.
وقال
أبو السعود
في إرشاد العقل السليم:
في التعرض لعنوان الربوبية المنبئةِ عن التبليغ إلى الكمال، مع الإضافة إلى ضميرهم، من تشريفهم، وإظهار اللطف بهم ما لا يخفى.
اهـ.
ويتضح الفرق بين الإضافة في: ربنا - وبينها في: عظيمنا- بإظهار المضمر، أو التصريح بالمتكلم، فتقول في يا ربنا: يا رب الناس، أو يا رب الدَّاعِين، مثلا، وهذا مقبول سائغ المعنى.
وتقول في -يا عظيمنا: يا عظيم الناس، أو يا عظيم الداعين، مثلا، وفي هذا إيهام وإشكال واضح.
وإذا جعلنا هذا هو الضابط، ساغ أن نقول: يا خالقنا، يا مولانا، يا رازقنا، يا مالكنا- ونحو ذلك؛ لصحة معناه عند التصريح بالمتكلم، ولم يسغ أن نقول: يا عزيزنا، يا كريمنا، يا عليمنا- ونحو ذلك؛ لإيهامه، وإشكاله عند التصريح بالمتكلم.
والأفضل على أية حال، هو التزام طريقة الأنبياء، وأدعية القرآن والسنة، ففيها الغُنية والعصمة، وقد روى
أبو نعيم
في حلية الأولياء:
عن ابن وهب قال: سئل مالك بن أنس عن الرجل يدعو يقول: يا سيدي؟ فقال: يعجبني أن يدعو بدعاء الأنبياء؛ ربنا، ربنا
. اهـ.
وجاء في البيان والتحصيل
لابن رشد
:
أن الإمام مالكا -رحمه الله- سئل عن الذي يقول في دعائه: يا سيدي، فكرهه، وقال: أحب إلي أن يدعو بما في القرآن، وبما دعت به الأنبياء: يا رب
. اهـ.
وقال شيخ الإسلام
ابن تيمية
في التوسل والوسيلة:
قد كره مالك، وابن أبي عمران من أصحاب أبي حنيفة، وغيرهما أن يقول الداعي: يا سيدي، يا سيدي، وقالوا: قل كما قالت الأنبياء: رب، رب
. اهـ.
والله أعلم.