الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد
:
فإن ذلك الأثر الذي يحصل في الوجه ليس محمودًا لذاته، ولا مُستحبًّا إبقاؤه، ولا الحفاظ عليه، وليس هو على الصحيح أثر السجود المذكور في قوله تعالى:
سِيمَاهُمْ
فِي
وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ
{الفتح:29}، بل ذلك هو الخشوع والإخبات لله تعالى.
قال الحافظ
ابن كثير
:
وقوله
جل
جلاله
:
سِيماهُمْ
فِي
وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ. قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عباس -رضي الله عنهما-: سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ يَعْنِي السَّمْتَ الْحَسَنَ . وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَغَيْرُ وَاحِدٍ: يَعْنِي الْخُشُوعَ وَالتَّوَاضُعَ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ الطَّنَافِسِيُّ، حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ الْجُعْفِيُّ عَنْ زَائِدَةَ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ مُجَاهِدٍ: سِيماهُمْ
فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ. قَالَ: الْخُشُوعُ. قُلْتُ: مَا كُنْتُ أَرَاهُ إِلَّا هَذَا الْأَثَرَ فِي الْوَجْهِ، فَقَالَ: رُبَّمَا كَانَ بَيْنَ عَيْنَيْ مَنْ هُوَ أَقْسَى قَلْبًا مِنْ فِرْعَوْنَ. وَقَالَ
السُّدِّيُّ: الصَّلَاةُ تُحَسِّنُ وُجُوهَهُمْ، وَقَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: مَنْ كَثُرَتْ صَلَاتُهُ بِاللَّيْلِ حَسُنَ وَجْهُهُ بِالنَّهَارِ... إلى أن قال: فَالصَّحَابَةُ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ- خَلُصَتْ نِيَّاتُهُمْ، وَحَسُنَتْ أَعْمَالُهُمْ، فَكُلُّ مَنْ نَظَرَ إِلَيْهِمْ أَعْجَبُوهُ فِي سَمْتِهِمْ، وَهَدْيِهِمْ. وَقَالَ مالك -رضي الله عنه-: بَلَغَنِي أَنَّ النَّصَارَى كَانُوا إِذَا رَأَوُا الصَّحَابَةَ -رضي الله عنهم- الَّذِينَ
فَتَحُوا الشَّامَ يَقُولُونَ: وَاللَّهِ لَهَؤُلَاءِ خَيْرٌ مِنَ الْحَوَارِيِّينَ فِيمَا بَلَغَنَا، وَصَدَقُوا فِي ذَلِكَ؛ فَإِنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ مُعَظَّمَةٌ فِي الْكُتُبِ الْمُتَقَدِّمَةِ، وَأَعْظَمُهَا وَأَفْضَلُهَا أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم-، وقد نَوَّه الله -تبارك وتعالى- بِذِكْرِهِمْ فِي الْكُتُبِ الْمُنَزَّلَةِ، وَالْأَخْبَارِ الْمُتَدَاوَلَةِ
. انتهى.
وقد عقد
ابن أبي شيبة
في مصنفه بابًا من كره أن يؤثِّر السجود في وجهه، وذكر فيه أن
ابن عمر
رأى رجلا قد أثَّر السُّجُودُ فِي وَجْهِهِ، فَقَالَ:
إِنَّ صُورَةَ الرَّجُلِ وَجْهُهُ، فَلَا يَشِينُ أَحَدُكُمْ صُورَتَهُ. وعَنْ
أَبِي الدَّرْدَاءِ، أَنَّهُ رَأَى امْرَأَةً بَيْنَ عَيْنَيْهَا مِثْلُ ثَفِنَةِ الشَّاةِ، فَقَالَ: أَمَا أَنَّ هَذَا لَوْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ عَيْنَيْكَ كَانَ خَيْرًا لَكَ. وعن الشعبي أنه كره الأثر في الوجه، وعن حبيب بن أبي ثابت أنه شكا لمجاهد الأثر بين عينيه فقال: إذا سجدت فتجاف
. انتهى.
فدل ما أوردناه على أنه لا حرج في إزالة هذا الأثر من الوجه، وأنه لا حرج كذلك في اتخاذ سجادة تمنع ظهور هذا الأثر.
والله أعلم.