الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:
فقد كان من بنود صلح الحديبية أن من جاء من المسلمين من مكة إلى المدينة فإن النبي -صلى الله عليه وسلم- يرده إلى مكة. ففي صحيح
البخاري
في قصة الصلح وبنوده: ...
فَقَالَ سُهَيْلٌ: وَعَلَى أَنَّهُ لاَ يَأْتِيكَ مِنَّا رَجُلٌ وَإِنْ كَانَ عَلَى دِينِكَ إِلَّا رَدَدْتَهُ إِلَيْنَا
. اهــ.
وأما سبب موافقة النبي -صلى الله عليه وسلم- على هذا الشرط؛ فقد علم -عليه الصلاة والسلام- أن الله سيجعل مخرجا لأولئك الصحابة، ففي صحيح
مسلم
: فَقَالُوا: أَنَكْتُبُ هَذَا يَا رَسُولَ اللهُ؟! قَالَ:
نَعَمْ، إِنَّهُ مَنْ ذَهَبَ مِنَّا إِلَيْهِمْ، فَأَبْعَدَهُ اللهُ، وَمَنْ جَاءَنَا مِنْهُمْ، فَسَيَجْعَلُ اللهُ لَهُ فَرَجًا وَمَخْرَجًا
.
وقد كان الأمر كذلك، وصار ذلك الشرط وبالا على قريش، فقد خرج جمع من المسلمين من مكة، ولم يذهبوا إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- لعلمهم أنه سيردهم إلى قريش، وكونوا قوة عسكرية ضاربة، وصاروا لا يسمعون بِعِيرٍ لقريش إلا هاجموها.
قال
ابن القيم
في زاد المعاد:
حَتَّى اجْتَمَعَتْ مِنْهُمْ عِصَابَةٌ، فَوَاللهِ لَا يَسْمَعُونَ بِعِيرٍ لِقُرَيْشٍ خَرَجَتْ إِلَى الشَّامِ إِلَّا اعْتَرَضُوا لَهَا، فَقَتَلُوهُمْ، وَأَخَذُوا أَمْوَالَهُمْ، فَأَرْسَلَتْ قُرَيْشٌ إِلَى النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- تُنَاشِدُهُ اللهَ وَالرَّحِمَ لَمَا أَرْسَلَ إِلَيْهِمْ، فَمَنْ أَتَاهُ مِنْهُمْ فَهُوَ آمِنٌ
. اهــ.
وانظر الفتوى:
101547
، والفتوى:
202177
.
والله أعلم.