الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:
فالحكمة في ذلك هي الحكمة ذاتها من خلق الإنسان بصفة عامة؛ فالله تعالى إنما خلقنا امتحانًا واختبارًا، كما قال تعالى:
الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً
{الملك:2}، وقال سبحانه:
أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ
{العنكبوت:2-3}، وقال عز وجل:
مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ
{
آل عمران:
179}.
وهذا الامتحان يكون بالأحكام الشرعية -كالأوامر والنواهي-، ويكون كذلك بالأحكام القدرية، سواء ما نحب منها -كالأموال والأولاد-، أم ما نكره -كالمصائب والشدائد-، كما قال تعالى:
وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ
{الأنبياء:35}، وهذا النوع من البلاء بالنسبة للمؤمن: تارة يكون لتكفير الخطايا ومحو السيئات، وتارة يكون لرفع الدرجات وزيادة الحسنات، وتارة يقع لتمحيص المؤمنين وتمييزهم عن المنافقين، وتارة يعاقب المؤمن بالبلاء على بعض ذنوبه، وراجع في ذلك الفتويين:
117638
،
27048
.
وقد سبق لنا ذكر أسباب البلاء ووسائل دفعه في الفتويين:
76268
،
5249
.
وعلى أية حال؛ فالدنيا ليست بدار جزاء، والعدل المطلق لا يقام فيها، وإنما يكون في الآخرة، كما قال تعالى:
وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ
{الأنبياء:47}.
فالمظلوم إن لم يأخذ حقّه في الدنيا، فسيجده يوم القيامة كاملًا موفورًا، أحوج ما يكون إليه؛ حتى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
يودّ أهل العافية يوم القيامة حين يعطى أهل البلاء الثواب، لو أن جلودهم كانت قرضت في الدنيا بالمقاريض
. رواه
الترمذي
، وحسنه
الألباني
.
وأما الظالم؛ فإن لم يؤاخذ في الدنيا، فالعقوبة العادلة تنتظره يوم القيامة، كما قال عز وجل:
وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأبْصَارُ
{إبراهيم:42}، وراجع في ذلك الفتوى:
124756
.
والله أعلم.