الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:
فقد سبق تفصيل القول في معنى الحكمة الواردة في قوله سبحانه:
وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ
{النساء:
113}، وأن المراد بها السنة، وأن الأقوال الأخرى في معنى الحكمة لا تنافي هذا المعنى؛ فالاختلاف في تفسير الحكمة من اختلاف التنوع لا التضاد، وانظر الفتوى:
392290
.
وأما
ابن عثيمين
: ففي مواضع كثيرة من كتبه، قد فسر الحكمة بالسنة، فقال في لقاء الباب المفتوح:
ولهذا قال: (ألا وإني أوتيت القرآن ومثله معه)، وهي السنة، كما قال تعالى: {وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا} [النساء:
113]، قال أهل العلم: المراد بالحكمة هنا السنة، بدليل قوله: {وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا} [النساء:
113]
. اهـ.
وقال في شرح كشف الشبهات:
قوله تعالى: {وأنزل الله
عليك الكتاب والحكمة} فأشار الله تعالى إلى الحكمة التي هي السنة، فإنها تبين القرآن
. اهـ.
وقال في القول المفيد:
قال تعالى: {وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة} [النساء:
113] قال المفسرون: الحكمة السنة
. اهـ.
وقال في كتابه: الإبداع في بيان كمال الشرع وخطر الابتداع:
فما بينته السنة فإن القرآن قد دلّ عليه؛ لأن السنة أحد قسمي الوحي الذي أنزله الله على رسوله، وعلّمه إياه، كما قال الله تعالى: {وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة}
. اهـ.
وفي فتح ذي الجلال والإكرام بشرح بلوغ المرام:
السنة دليل إلهي، كما أن القرآن دليل إلهي، ومن فرّق بينهما فقد كفر بالقرآن والسنة؛ لأن الله تعالى يقول: {وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة}
. اهـ.
وأما تفسير الحكمة بأسرار الشريعة، فقد ذكره احتمالًا في تفسيره لقوله تعالى:
رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
{البقرة:
129}، فقال:
والحكمة قيل: هي السنة؛ لقوله تعالى: {وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة} [النساء:
113]؛ ويحتمل أن يكون المراد بها معرفة أسرار الشريعة المطهرة، وأنها شريعة كاملة صالحة لكل زمان ومكان
. اهـ.
وقال في تفسير:
كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ
{البقرة:
151
}
: {والحكمة}: هي أسرار الشريعة، وحسن التصرف بوضع كل شيء في موضعه اللائق به - بعد أن كانوا في الجاهلية يتصرفون تصرفًا أهوج من عبادة الأصنام، وقتل الأولاد، والبغي على العباد
. اهـ.
وعلى كل حال؛ فالمشهور عن المفسرين المتقدمين، وكبار الائمة هو تفسير الحكمة بالسنة، ولا يحسن بطالب العلم معارضة أقوال المتقدمين بأقوال المعاصرين، وتكلّف الاشتغال بالجمع والتوفيق بينها.
والله أعلم.