الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:
فالواجب على ذلك المرتد أن يبادر إلى التوبة، ويُسْلِم، ولا يؤخر ذلك -تفكيرا في حقوق العباد- بل عليه أن يتوب من الردة إنقاذا لنفسه من النار، وقياما بحق الله تعالى عليه.
وأما حقوق العباد: فقد اختلف الفقهاء في المرتد إذا أسلم هل يطالب بحقوق العباد أم لا؟ على قولين.
قال
القرطبي
في تفسير قوله تعالى:
قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ
. {الأنفال:38}. قال:
فَأَمَّا الْمُرْتَدُّ إِذَا أَسْلَمَ وَقَدْ فَاتَتْهُ صَلَوَاتٌ، وَأَصَابَ جِنَايَاتٍ وَأَتْلَفَ أَمْوَالًا، فَقِيلَ: حُكْمُهُ حُكْمُ الْكَافِرِ الْأَصْلِيِّ إِذَا أَسْلَمَ، لَا يُؤْخَذُ بِشَيْءٍ مِمَّا أَحْدَثَهُ فِي حَالِ ارْتِدَادِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ: يَلْزَمُهُ كُلُّ حَقٍّ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَلِلْآدَمِيِّ، بِدَلِيلِ أَنَّ حُقُوقَ الْآدَمِيِّينَ تَلْزَمُهُ فَوَجَبَ أَنْ تَلْزَمَهُ حُقُوقُ اللَّهِ تَعَالَى. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: مَا كَانَ لِلَّهِ يَسْقُطُ، وَمَا كَانَ لِلْآدَمِيِّ لَا يَسْقُطُ. قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: وَهُوَ قَوْلُ عُلَمَائِنَا، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى مُسْتَغْنٍ عَنْ حَقِّهِ، وَالْآدَمِيُّ مُفْتَقِرٌ إِلَيْهِ. أَلَا تَرَى أَنَّ حُقُوقَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ لَا تَجِبُ عَلَى الصَّبِيِّ وَتَلْزَمُهُ حُقُوقُ الْآدَمِيِّينَ. قَالُوا: وَقَوْلُهُ تَعَالَى:" قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ" عام في الحقوق لله تَعَالَى
. اهــ
ونقل بعض العلماء الاتفاق على تضمين المرتد ما أتلفه من الأموال كالمسلم سواء.
قال شيخ الإسلام
ابن تيمية
:
كَالْمُسلمِ إِذا ظلم الْمُسلم وَالْمُرْتَدّ الَّذِي أتلف مَالا لمُسلم، وَلَيْسَ بمحارب بل هُوَ فِي الظَّاهِر مُسلم أَو معاهد، فَإِن هَؤُلَاءِ يضمنُون مَا أتلفوه بالِاتِّفَاقِ
. اهــ
وعلى هذا لا يسقط عن المرتد إذا أسلم شيء من الحقوق لا المالية ولا غيرها؛ كالضرب ونحوه.
وأما الغيبة: فالمفتى به عندنا أنه يكفي التائب منها الندم والاستغفار، وذكر محاسن الذين اغتابهم، ولا يلزمه التحلل منهم وإخبارهم بأنه اغتابهم. وانظر الفتوى:
412702
.
والله أعلم.