الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:
فإنه ما من شك في أن الكفر أنواع، وقد ذكرها أهل العلم في كتبهم، وبينوها، فمنها ما هو كفر أكبر، مخرج من الملة، وهذا النوع عده
ابن القيم -
رحمه الله تعالى- في كتابه: "مدارج السالكين" خمسة أقسام.
الأول: كفر التكذيب، ودليله قوله تعالى:
فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْكَافِرِينَ
[الزمر:32].
ومنها: كفر الاستكبار، والإدبار مع التصديق، ودليله قوله تعالى:
إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ
[البقرة:34].
ومنها: كفر الإعراض، ودليله قوله تعالى:
وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ
[الاحقاف:3].
ومنها: كفر الشك، ودليله قوله تعالى:
وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا * وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا* قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا
[الكهف:35- 37].
ومنها: كفر النفاق، ودليله قوله تعالى:
ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ
[المنافقون:3].
وأما الكفر الأصغر، فهو ما أطلق عليه الشرع لفظ الكفر، مع ثبوت الإسلام لصاحبه بأدلة أخرى، كقوله صلى الله عليه وسلم:
من حلف بغير الله، فقد كفر
. ومثل قوله صلى الله عليه وسلم:
سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر
.
وأما ترك الصلاة هل هو كفر أكبر أم كفر أصغر؟
فقد اختلف أهل العلم في ذلك، فمنهم من قال: إنه كفر أصغر، ومنهم من قال: إنه كفر أكبر، وقد سبق لنا فتوى في ذلك، فانظر الفتوى:
1145
.
أما أثر
ابن عباس
الذي رواه
الحاكم
في المستدرك،
والبيهقي
في السنن من طريق
هشام بن حجير،
عن
طاوس،
عنه في تفسير قوله تعالى:
وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ
[المائدة:44]، قال:
كفر دون كفر.
فلا يصح سنده؛ إذ فيه
هشام بن حجير
: ضعفه
يحيى القطان،
وابن معين
، وقال
أحمد بن حنبل:
ليس بذاك،
وإنما أخرج له
البخاري، ومسلم
كلاهما في موضع واحد متابعة.
ومع ضعفه، خالفه
عبد الله بن طاوس،
وهو ثقة، فرواه عن أبيه
طاوس،
قال:
سئل ابن عباس عن قوله: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ [المائدة:44]، قال: هي به كفر
. أخرجه
الطبري
في تفسيره، وهذا اللفظ يحتمل الكفر الأكبر، والأصغر، بخلاف رواية
هشام،
فإنها نص في الكفر الأصغر.
على أننا نقول: إن من صور الحكم بغير ما أنزل الله ما هو كفر أصغر اتفاقًا، ومنها ما هو كفر أكبر، حسب حال الحاكم، ونوع حكمه.
والله أعلم.