الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:
فقد أفاد الحافظ
ابن كثير
-رحمه الله- أن الله هدى نبيه وخليله
إبراهيم
عليه السلام للإسلام منذ حداثة سنه.
قال -رحمه الله- في تفسير قوله تعالى:
وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ
{البقرة:
130}:
اصطفي في الدنيا للهداية والرشاد، من حداثة سنه إلى أن اتخذه الله خليلاً. وهو في الآخرة من الصالحين السعداء...
إلى أن قال:
ويشهد لصحة هذا القول، قول الله تعالى: {ما كان إبراهيم يهودياً ولا نصرانياً ولكن كان حنيفاً مسلماً وما كان من المشركين * إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا والله ولي المؤمنين} [آل عمران: 67، 68].
اهـ.
وبناء على ذلك، فالآيات التي ذكرتها تحكي عن
إبراهيم الخليل
عليه الصلاة والسلام، الحالة الثابتة والمستقرة، والمستمرة، وليس الحالة المغايرة لما قبلها ابتداءً، فآية:
إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ
{الأنعام:79}. للحال المعروفة عنه، وليس الابتداء، وكذلك قوله تعالى:
إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ
{البقرة:
131}، تفيد القدم بالهداية والتوفيق، كقوله:
فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ
{فصلت:11}.
والدليل على ذلك: أنه عليه السلام لم يكن معتنقاً ديناً من الأديان غير الإسلام، فطرة ومنهجاً؛ قال الله تعالى:
مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ
{آل عمران:67}.
قال الإمام
القرطبي
في تفسير آية الأنعام:
غَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يَكُونَ لِلَّهِ تَعَالَى رَسُولٌ، يَأْتِي عَلَيْهِ وَقْتٌ مِنَ الْأَوْقَاتِ إِلَّا وَهُوَ لِلَّهِ تَعَالَى مُوَحِّدٌ وَبِهِ عَارِفٌ، وَمِنْ كل معبود سواه بريء. قَالُوا: وَكَيْفَ يَصِحُّ أَنْ يُتَوَهَّمَ هَذَا عَلَى مَنْ عَصَمَهُ اللَّهُ، وَآتَاهُ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ، وَأَرَاهُ مَلَكُوتَهُ لِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُوصَفَ بِالْخُلُوِّ عَنِ الْمَعْرِفَةِ، بَلْ عَرَفَ الرَّبَّ أَوَّلَ النَّظَرِ
. اهـ.
وانظر الفتوى رقم:
39118
، والفتوى رقم:
77096
.
والله أعلم.