الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:
فالسر في تنكير قوله الله -تعالى- حكاية عن
إبراهيم
-عليه السلام- في سورة البقرة:
وإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَداً آمِناً
[
126].
فلعلَّ ذلك -والله أعلم- أن
إبراهيم
سأل الله -تعالى- أن يجعل ذلك المكان الخالي بلداً عامراً يرتاده الناس ويأمنون فيه من كل مكروه، وذلك عندما جاء بأم
إسماعيل
وابنها إلى ذلك الوادي الذي ليس فيه إنس ولا شيء، فقالت: أين تذهب وتتركنا بهذا الوادي؟
ويستدل لهذا المعنى بما أخرجه
البخاري
وغيره عن
ابن عباس
-رضي الله عنهما- مرفوعا:
ثم جاء بها إبراهيم وبابنها إسماعيل وهي ترضعه حتى وضعهما عند البيت عند دوحة فوق زمزم في أعلى المسجد، وليس بمكة يومئذ أحد، وليس بها ماء
.
وأما في سورة
إبراهيم
، فكان الدعاء بعدما أصبح البلد بلداً بالفعل، واستقر به الناس، وبنى فيه البيت الحرام، فدعا -عليه السلام- لأهله بقوله:
رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ
[إبراهيم:35].
وقد أجمع المفسرون على أن البلد المدعو له هنا وهناك هو مكة المكرمة حرسها الله -تعالى-.
قال صاحب التفسير المنير:
عُـرِّف هذا البلد هنا -يعني في سورة إبراهيم- ونُـكِّر في سورة البقرة؛ لأنه في البقرة كان دعاؤه قبل بنائها، فطلب أن تجعل بلداً وآمناً، وهنا كان بعد بنائها، فطلب أن تكون بلد أمنٍ واستقرار
. اهـ.
والله أعلم.