الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:
فننبه إلى أن الأنسب لمثل هذا النوع من الأسئلة البحث المستقل، الذي يتفرغ صاحبه لاستقصاء وتحرير كل الجزئيات المتعلقة بالموضوع، وليس الفتوى التي تتعلق ببيان ما يشكل على الناس من أحكامهم اليومية كما هو حال موقعنا، لذلك ولأن السؤال قد تكرر بعض جزئياته فسنكتفي بتوضيح بعض الأمور التي نرى أنها قد تعين السائل في فهم المراد فنقول:
1ـ لا تعارض ين حديث
أسامة والمقداد،
وبين حديث
طلحة،
فالحديثان الأولان يقصد بهما الكافر المحارب الذي ينطق الشهادتين قبل أن يتمكن المسلم من قتله، فإنه بذلك يعصم دمه، لأنه أصبح مسلما في الظاهر، أما حديث
طلحة:
فالمقصود به الصائل أو اللص الذي يعتدي على الإنسان يريد ماله أو دمه أو عرضه سواء كان ذلك الصائل كافراً أو مسلماً، عاقلاً أو مجنوناً، بالغاً أو صغيراً، معصوم الدم أو غير معصوم الدم، فإنه يباح له دفعه، ويدفع بالأخف، فالأخف ولا حرج في قتله إذا لم يندفع بغيره، وقد فصلنا الحكم في ذلك في الفتويين رقم:
113964
، ورقم:
17038
.
2ـ مجرد نطق المشرك للشهادة يعصم دمه، ولو كان قد قتل ما قتل من المسلمين، لأنه يصبح بذلك مسلما، ولو لم يكن الأمر كذلك لما نفع كثيرين من الصحابة إسلامهم بعد أن قتلوا من قتلوا وفعلوا ما فعلوا بخيار الصحابة والسابقين إلى الإسلام
كخالد بن الوليد، وعمرو بن العاص، وأبي سفيان
، وغيرهم ـ رضي الله عنهم أجمعين ـ فعن
يزيد بن أبي حبيب
عن
ابن شماسة
أن
عمرو بن العاص
قال:
لما ألقى الله عز وجل في قلبي الإسلام, قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم ليبايعني فبسط يده إلي, فقلت: لا أبايعك يا رسول الله حتى تغفر لي ما تقدم من ذنبي، قال: فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا عمرو أما علمت أن الهجرة تجب ما قبلها من الذنوب؟ يا عمرو أما علمت أن الإسلام يجب ما كان قبله من الذنوب؟
. أخرجه
أحمد
.
وجاء في شرح رياض الصالحين
لابن عثيمين
عند شرح حديث:
يضحك الله إلي رجلين.. الحديث، قال:... ففيه دليل: على أن الكافر إذا تاب من كفره ولو كان قد قتل أحداً من المسلمين، فإن الله تعالى يتوب عليه، لأن الإسلام يهدم ما قبله
.
ومن هنا يتجلى المقصد الأسمى من الجهاد في الإسلام، ألا وهو إعلاء كلمة الله تعالى ودخول الناس في الدين، وليس من أجل قتل الكفار أو أخذ أموالهم أو ما شابه.
3ـ ينبغي العلم أن لا إله إلا الله ليست مجرد لفظ يقال باللسان، وإذا قاله الكافر اكتفي منه بذلك، والدليل على ذلك قوله صلى الله عليه وسلم:
من قال: لا إله إلا الله، وكفر بما يعبد من دون الله، فقد حرم ماله ودمه، وحسابه على الله عز وجل
.
وقوله صلى الله عليه وسلم:
إن الله تعالى قد حرم على النار من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله
.
وقول النبي صلى الله عليه وسلم:
أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله
..
فلم يكتف بمجرد قولهم لا إله إلا الله إذا لم يلتزموا بحقها وهو العمل بمقتضاها ومعرفة معناها، فليست لا إله إلا الله مجرد لفظ يقال باللسان، قال الحافظ في الفتح:
وفيه منع قتل من قال لا إله إلا الله ولو لم يزد عليها وهو كذلك، لكن هل يصير بمجرد ذلك مسلما، الراجح لا، بل يجب الكف عن قتله حتى يختبر، فإن شهد بالرسالة والتزم أحكام الإسلام حكم بإسلامه، وإلى ذلك الإشارة بالاستثناء بقوله: إلا بحق الإسلام
. انتهى.
4ـ الكفار أربعة أقسام: ذميون، ومعاهدون، ومستأمنون، وحربيون.
فالذمي: هو من أقام بدار الإسلام إقامة دائمة بأمان مؤبّد، والعهد: هو عقد بين المسلمين وأهل الحرب على ترك القتال مدّةً معلومة، والمعاهدون: هم أهل البلد المتعاقد معهم، وأهل الحرب: هم أهل بلاد الكفر التي لم يجرِ بينهم وبين المسلمين عهد، وأما المستأمن: فهو الحربي الذي يدخل دار الإسلام بأمانٍ مؤقت لأمرٍ يقتضيه، ولم يذكر أهل العلم المرتدين من بين هذه الأقسام، لأنهم لا يقرون على ردتهم.
وكل من ذكروا سابقا إذا نطقوا الشهادتين عصموا دماءهم، فلا يقتلون، إلا المرتد ردة مغلطة كمن سب النبي صلى الله عليه وسلم ونحو ذلك... فإنه يقتل عند كثير من أهل العلم دون استتابة, ولا تقيه توبته القتل على ما بينا في الفتوى رقم:
193887
.
وكذا الزنديق اختلف في قبول توبته، كما بينا في الفتوى رقم:
174601
.
وعلى كل، فإن من تاب ولم تقه توبته من القتل، لا يقتل كفرا، بل حدا، ويعامل معاملة المسلمين، فيغسل ويصلى عليه ويدفن في مقابر المسلمين.
5ـ لقد نكل الإسلام بالمرتدين إذا حاربوا أشد تنكيل، فقد أخرج الشيخان عن
أنس
رضي الله عنه قال:
قدم
على النبي صلى الله عليه وسلم نفر من عكل فأسلموا فاجتووا المدينة فأمرهم أن يأتوا إبل الصدقة فيشربوا من أبوالها وألبانها ففعلوا فصحوا فارتدوا وقتلوا رعاتها واستاقوا الإبل، فبعث في آثارهم فأتي بهم فقطع أيديهم وأرجلهم وسمل أعينهم، ثم لم يحسمهم حتى ماتوا
.
وفي رواية:
فسمروا أعينهم.
وفي رواية:
أمر بمسامير فأحميت فكحلهم بها وطرحهم بالحرة يستسقون، فما يسقون حتى ماتوا
.
ونحسب أن هذا القدر كاف لما ذكرت أنه استعصى عليك الوصول إلى القول الفصل فيه.
والله أعلم.