الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:
فإن المسلم لا يتمنى شيئا في الجنة إلا حققه الله له، فقد قال الله تعالى:
إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ * نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ
{فصلت:30ـ 32}.
وأما عن كيفية حصول المرء عما يشتهيه في الجنة: فقد وردت الأدلة بحصول ذلك تارة بالدعاء والسؤال، وتارة بالتمني والتشهي، فأما الدعاء والسؤال: ففي صحيح
البخاري
عنْ
أبِي هُرَيْرَةَ ـ
رَضِي الله تَعَالَى عنهُ:
أنَّ النبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كانَ يَوماً يُحَدِّثُ وعِنْدَهُ رجُلٌ مِنْ أهْلِ البَادِيَةِ أنَّ رَجُلاً مِنْ أهْلِ الجَنَّةِ اسْتأذَنَ رَبَّهُ فِي الزَّرْعِ، فَقَالَ لَهُ: ألَسْتَ فِيما شِئْتَ؟ قَالَ: بَلى، ولَكِنِّي أحِبُّ أنْ أزْرَعَ، قَالَ: فَبَذَرَ فبَادَرَ الطَّرْفَ نباتُهُ واسْتوَاؤُهُ واسْتِحْصَادُهُ فكَانَ أمْثال الجِبالِ، فيَقُولُ الله تَعَالَى: دُونَكَ يَا ابْنَ آدَمَ، فإنَّهُ لاَ يُشْبِعُكَ شيءٌ، فَقَالَ الأعْرَابِيُّ: وَالله لَا تَجِدُهُ إلاَّ قُرَشِيَّاً أوْ أنْصَاريَّاً فإنَّهُمْ أصْحابُ زَرْعٍ، وأمَّا نَحْنُ فلَسْنَا بأصْحَابِ زَرْعٍ، فضَحِكَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
.
قال
العيني ـ
رحمه الله ـ في عمدة القاري:
قَوْله: اسْتَأْذن ربه فِي الزَّرْع ـ أَي: فِي مُبَاشرَة الزَّرْع، يَعْنِي: سَأَلَ الله تَعَالَى أَن يزرع.
انتهى.
وأما في التمني والتشهي: فقد جاء في الصحيحين في وصف آخر أهل الجنة دخولا:
فَإِذَا دَخَلَ فِيهَا قِيلَ لَهُ: تَمَنَّ مِنْ كَذَا فَيَتَمَنَّى، ثُمَّ يُقَالُ لَهُ: تَمَنَّ مِنْ كَذَا، فَيَتَمَنَّى، حَتَّى تَنْقَطِعَ بِهِ الأَمَانِيُّ، فَيَقُولُ لَهُ: هَذَا لَكَ وَمِثْلُهُ مَعَهُ، يقول الله عز وجل له: تَمَنَّ فَيَتَمَنَّى حَتَّى إِذَا انْقَطَعَ أُمْنِيَّتُهُ، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: مِنْ كَذَا وَكَذَا ـ أَقْبَلَ يُذَكِّرُهُ رَبُّهُ ـ حَتَّى إِذَا انْتَهَتْ بِهِ الْأَمَانِيُّ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: لَكَ ذَلِكَ وَمِثْلُهُ مَعَهُ
.
وعَن
أبي أُمَامَة ـ
رَضِي الله عَنهُ ـ قَالَ:
إِن الرجل من أهل الْجنَّة ليشتهي الشَّرَاب من شراب الْجنَّة فَيَجِيء الإبريق فَيَقَع فِي يَده فيشرب ثمَّ يعود إِلَى مَكَانَهُ
. قال
المنذري
في الترغيب والترهيب:
رَوَاهُ ابْن أبي الدُّنْيَا مَوْقُوفا بِإِسْنَاد جيد
.
وقال
الشوكاني ـ
رحمه الله ـ في فتح القدير عند قوله تعالى:
جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ ـ لَهُمْ فِيها ما يَشاؤُونَ ـ أي: لهم في الجنات ما تقع عليه مَشِيئَتُهُمْ صَفْوًا عَفْوًا يَحْصُلُ لَهُمْ بِمُجَرَّدِ ذَلِكَ
. انتهى.
وننصح السائل بعدم التعمق بالسؤال عن مثل هذه الأمور التي ليس وراءها عمل، فقد روى
أبو داود
في سننه عن
ابن لسعد بن أبي وقاص ـ
رضي الله عنه ـ أنه قال:
سمعني أبي وأنا أقول: اللهم إني أسألك الجنة ونعيمها وبهجتها وكذا وكذا، وأعوذ بك من النار وسلاسلها وأغلالها وكذا وكذا، فقال: يا بني، إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: سيكون قوم يعتدون في الدعاء ـ فإياك أن تكون منهم، إن أعطيت الجنة أعطيتها وما فيها، وإن أعذت من النار أعذت منها وما فيها من الشر.
وللفائدة يرجى مراجعة الفتوى رقم:
216193
.
والله أعلم.