الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:
فأصل القصة -كما يذكرها بعض المفسرين- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- لما شق عليه إعراض قومه عنه، تمنى ألا ينزل عليه شيء ينفرهم عنه، لحرصه على إيمانهم، فكان ذات يوم جالسًا في ناد من أنديتهم، وقد نزل عليه سورة: والنجم إذا هوى. فأخذ يقرأها عليهم حتى بلغ قوله تعالى:
أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى* وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى
[لنجم].
وكان ذلك التمني في نفسه، فجرى على لسانه بما ألقاه الشيطان عليه.. تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترجى، فلما سمعت قريش ذلك، فرحوا، ومضى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في قراءته حتى ختم السورة، فلما سجد في آخرها سجد معه جميع من في النادي من المسلمين والمشركين، فتفرقت قريش مسرورين بذلك وقالوا: ذكر محمد آلهتنا بأحسن الذكر.
فأتاه جبريل فقال: ما صنعت تلوت على الناس ما لم آتك به عن الله! فحزن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وخاف خوفاً شديداً، فأنزل الله عليه:
وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ
[الحج:52].
قال الإمام
الشوكاني
بعد أن ساق هذه القصة بكاملها في تفسيره:
وَلَمْ يَصِحَّ شَيْءٌ مِنْ هَذَا، وَلَا ثَبَتَ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ، وَمَعَ عَدَمِ صِحَّتِهِ بَلْ بُطْلَانُهُ فَقَدْ دَفَعَهُ الْمُحَقِّقُونَ بِكِتَابِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ، قَالَ اللَّهُ: وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ- لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ- ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ. وقوله: وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى. وَقَوْلُهُ: وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ. فَنَفَى الْمُقَارَبَةَ لِلرُّكُونِ فَضْلًا عَنِ الرُّكُونِ.
قَالَ الْبَزَّارُ: هَذَا حَدِيثٌ لَا نَعْلَمُهُ يُرْوَى عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم بِإِسْنَادٍ مُتَّصِلٍ.
وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ: هَذِهِ الْقِصَّةُ غَيْرُ ثَابِتَةٍ مِنْ جِهَةِ النَّقْلِ، ثُمَّ أَخَذَ يَتَكَلَّمُ أَنَّ رُوَاةَ هَذِهِ الْقِصَّةَ مَطْعُونٌ فِيهِمْ.
وَقَالَ إِمَامُ الْأَئِمَّةِ ابْنُ خُزَيْمَةَ: إِنَّ هَذِهِ الْقِصَّةَ مِنْ وَضْعِ الزَّنَادِقَةِ.
قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ في «الشفا»: إِنَّ الْأُمَّةَ أَجْمَعَتْ فِيمَا طَرِيقُهُ الْبَلَاغُ أَنَّهُ مَعْصُومٌ فِيهِ مِنَ الْإِخْبَارِ عَنْ شَيْءٍ بِخِلَافِ مَا هُوَ عَلَيْهِ، لَا قَصْدًا وَلَا عَمْدًا وَلَا سَهْوًا وَلَا غَلَطًا
. اهـ.
وبكلام هؤلاء الأئمة الأعلام يتضح بحمد الله تعالى -للسائل وغيره- زيف وبطلان هذه القصة، وأنها من دسائس اليهود وحقدهم على هذا الدين ومحاولاتهم الدؤوبة للنيل من الإسلام ومن رسوله -صلى الله عليه وسلم-:
يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ
[التوبة:32].
والله أعلم.