الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:
فقد ندب الشارع لإغلاق الأبواب، وإكفاء الأواني أو تغطيتها بالليل؛ كما في الموطأ والصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
أغلقوا الأبواب، وأوكوا السقاء، واكفئوا الإناء، وأطفئوا المصباح؛ فإن الشيطان لا يفتح غلقاً، ولا يحل وكاء، ولا يكشف إناء.
... اهـ.
وقد بوب
البخاري
على فعل ذلك ليلا فقال: ( باب إغلاق الأبواب بالليل )
ويدل له قوله أطفئوا المصباح. وما في رواية
للبخاري
:
إذا كان جنح الليل، أو أمسيتم فكفوا صبيانكم؛ فإن الشيطان لا يفتح بابا مغلقا.
وفي رواية
لمسلم
:
غطوا الإناء وأوكوا السقاء؛ فإن في السنة ليلة ينزل فيها وباء لا يمر بإناء ليس عليه غطاء، أو سقاء ليس عليه وكاء إلا نزل فيه من ذلك الوباء
. اهـ.
وقال الحافظ في الفتح:
وقال ابن العربي: ظن قوم أن الأمر بغلق الأبواب عام في الأوقات كلها، وليس كذلك وإنما هو مقيد بالليل، وكأن اختصاص الليل بذلك؛ لأن النهار غالباً محل تيقظ بخلاف الليل
. اهـ.
ولا مانع من فعل هذا نهارا، فيغلق الباب لتفادي الغبار أو الحر والبرد أو السرقة. وتغطى الأواني تحفظا من الأوساخ.
قال
النووي:
ذكر
العلماء للأمر بالتغطية فوائد منها: الفائدتان اللتان وردتا في هذه الأحاديث وهما: صيانته من الشيطان؛ فإن الشيطان لا يكشف غطاء، ولا يحل سقاء. وصيانته من الوباء الذي ينزل في ليلة من السنة.
والفائدة الثالثة: صيانته من النجاسة والمقذرات.
والرابعة: صيانته من الحشرات والهوام فربما وقع شيء منها فيه فشربه وهو غافل، أو في الليل فيتضرر به
. انتهى.
وقال العلامة
الباجي
في شرح موطأ الإمام
مالك
بعد ما ذكر أن ذلك في الليل عند النوم:
ويحتمل أن يريد سائر الأوقات على ما يريد الناس حفظه من الأموال والطعام وغير ذلك؛ فإنه أحرز لما يريد حفظه
. اهـ.
ثم إن الأمر المذكور أمر إرشاد واستحباب؛ كما قال الحافظ في الفتح:
قال القرطبي: جميع أوامر هذا الباب من باب الإرشاد إلى المصلحة، ويحتمل أن تكون للندب، ولا سيما في حق من يفعل ذلك بنية امتثال الأمر
. اهـ.
وقال
المناوي
في فيض القدير:
والأوامر في هذا الباب وأمثاله إرشادية، وتنقلب ندبية بفعلها بقصد الامتثال
. اهـ.
وترك هذا الندب ليس مكروها.
فقد جاء في البحر الرائق شرح كنز الدقائق:
لا يلزم من ترك المستحب ثبوت الكراهة، إذ لا بد لها من دليل خاص
. اهـ.
وفي الموسوعة الفقهية:
ذهب الأصوليون إلى أن المستحب يمدح فاعله ويثاب, ولا يذم تاركه ولا يعاقب. وذلك لأن ترك المستحب جائز
... اهـ.
والله أعلم.